الفصل السادس
تنامي اللامساواة والتضادات الاجتماعية


فاقة – بذخ – مضاربات

بعد البدء "بالتوزيع الاشتراكي" وجدت سلطة السوفيات نفسها في عام 1921 مضطرة لإعادة السوق. إن النقص الكبير في الموارد خلال الخطة الخمسية الأولى أدى من جديد إلى التوزيع بواسطة الدولة أو العودة إلى تجربة "شيوعية الحرب" على نطاق أوسع. ثم تبين أن هذه القاعدة غير كافية أيضا. وفي عام 1935 ترك نظام التوزيع المخطط مكانه من جديد للتجارة. ولقد ظهر مرتين أن الطرق الحيوية لتوزيع المنتجات تتوقف على مستوى التقنية والموارد المادية أكثر مما على أشكال الملكية.

إن زيادة مردود العمل الناتجة بالأخص عن استخدام الأجر بالقطعة تسمح بزيادة كمية البضائع وتؤدي إلى انخفاض الأسعار، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة رفاهية الجماهير. وليس هذا أكثر من وجه للمشكلة أمكنت ملاحظته في النظام القديم خلال الازدهار الاقتصادي. ينبغي النظر إلى الظواهر والسيرورات الاجتماعية انطلاقا من علاقاتها بعضها بالبعض الآخر والتداخل في ما بينها. إن زيادة مردود العمل الناتجة خصوصا عن حركة البضائع تعني أيضا زيادة عدم المساواة، ويتجاوز ازدياد رفاهية الطبقات الحاكمة ازدياد رفاهية الجماهير بشكل واضح. وفيما تثري الدولة يبدأ المجتمع بالتمايز.

ويقسم المجتمع السوفياتي منذ الآن، من حيث ظروف حياته اليومية، إلى أقلية متميزة آمنة على غدها وأغلبية تعيش في الفاقة، ويسبب هذا الوضع تباينا واضحا بين القطبين المتعارضين. إن المنتجات المخصصة لاستهلاك الجماهير غالية السعر سيئة النوع، وكلما ابتعدنا عن المركز غدا من الصعب إيجادها. وفي مثل هذه الظروف تصبح السرقة والمضاربات وباء كان في الماضي مكملا للتوزيع المخطط فأصبح اليوم مصححا للتجارة السوفياتية.

ويكتب "أصدقاء" الاتحاد السوفياتي رأيهم عادة وعيونهم مغمضة وأذانهم مسدودة، لذا يصعب الاعتماد عليهم. أما الأعداء فيروجون إشاعات أحيانا. فلنسال البيروقراطية نفسها. إنها ليست عدوة نفسها لذا فان الاتهامات التي توجهها لنفسها وتعللها دائما بحاجات ملحة وعملية تستحق التصديق أكثر من تبجحاتها المعهودة الجوفاء. نحن نعرف أنه قد تم تجاوز المخطط الصناعي لعام 1935. ولكن مخطط بناء المساكن لم ينفذ إلا بمعدل 55,7 بالمئة. إن بناء المساكن العمالية هو الأكثر بطئا، والأكثر رداءة وإهمالا. ويعيش فلاحوا الكولخوزات في الأكواخ كما في الماضي مع أبقارهم وحشراتهم. بينما يشتكي الأعيان السوفياتيون المحترمون من فقدان "غرف الخدم" في المساكن المبنية لهم.

ويعبر كل نظام عن نفسه بآثاره وفن مبانيه، ويتصف العصر السوفياتي الحاضر ببناء القصور ومساكن السوفياتات المنتشرة بأعداد كبيرة والتي تشكل معابد حقيقة للبيروقراطية (مكلفة أحيانا عشرات الملايين) ، ومسارح مبنية بتكاليف باهظة، ومساكن للجيش الأحمر هي أشبه بنواد معدة غالبا للضباط، ومترو أنيق لمن يستطع الدفع، بينما يعاني بناء المساكن العمالية من التأخر بصورة مريعة، وباستمرار، حتى ولو كانت من نوع الثكنات.

هنالك انجازات على صعيد السكك الحديدية. ولكن المواطن السوفياتي البسيط لم يستفد من ذلك كثيرا. وتدل تقارير الكثير من المسؤولين على "قذارة العربات والمحلات المفتوحة للعموم" و"النقص الشنيع في خدمة المسافرين" و"عمليات السرقة والاحتيال في بيع تذاكر السفر وإخفاء الأمكنة الخالية لبيعها في السوق السوداء، والبقشيش، وسرقة الأمتعة أثناء الطريق". إن هذه الأمور "إهانة للنقل الاشتراكي" ! ويعتبرها النقل الرأسمالي جرائم ضد الحق العام. وتثبت شكايات المديرين بما لا يقبل الشك أن نقص وسائل المواصلات للشعب والنقص المدقع في الوسائط المعطاة للنقل، وانعزال مدراء السكك الحديدية ككل المدراء عن المواطن العادي. أما البيروقراطية فتعرف كيف تؤمِّن لنفسها الخدمة في البر والبحر والجو. والدليل على ذلك عدد عربات الصالون والقطارات الخاصة والمراكب الموضوعة تحت تصرفها والتي يتم استبدالها باستمرار بسيارات وطائرات أكثر راحة.

ولقد تكلم جدانوف ممثل اللجنة المركزية في ليننغراد على نجاح الصناعة السوفياتية فصفق له المستمعون منتفعون مباشرة لدى وعده إياهم بأنه "لن يحضر أعضاؤنا الفعالون إلى الجمعيات في العام القادم في سيارات الفورد المتواضعة بل بسيارات ليموزين". وهكذا نلاحظ أنه بقدر ما تتجه التقنية السوفياتية نحو الإنسان فإنها تحاول قبل كل شيء تلبية الرغبات المتزايدة للأقلية ذات الامتيازات . وحافلات الترام إن وجدت فهي مزدحمة كما كانت في الماضي ! !

لقد تباهى ميكويان، مفوض الشعب للصناعة الغذائية، قائلا: إن السكاكر سيئة النوع تزول يوما يعد يوم ويحل مكانها أنواع أفضل. وإن "نساءنا" تتطلب عطورا أفضل. وهذا يعني حصرا أن العودة إلى السوق جعلت الصناعة تتلاءم مع مستهلكين أفضل. هذا هو قانون السوق حيث يبرز تأثير نساء الشخصيات الكبيرة التي تحتل المراكز العالية. ولكننا نعرف في الوقت ذاته أنه في عام 1935 كانت السكاكر مفقودة في 68 تعاونية من أصل 95 تعاونية في أوكرانيا. ولا تتم تلبية الطلب من الحلويات إلا بنسبة 15 بالمئة وبأنواع سيئة جدا. وتشتكي الازفستيا من "أن المصانع لا تأخذ مطالب المستهلكين بعين الاعتبار" عندما يكون الأمر متعلقا طبعا بمستهلك يعرف كيف يدافع عن نفسه.

ويطرح الأكاديمي باخ الموضوع من ناحية الكيمياء العضوية فيقول: "إن خبزنا من نوعية سيئة أحيانا". والعمال والعاملات الذين لا يعرفون سر التخمر هم من رأيه أيضا، ولكنهم عاجزون عن إعطاء رأيهم كالأكاديمي المحترم إلى الصحف.

ويروّج اتحاد صناعة الملابس الجاهزة في موسكو دعاية لملابس مصنوعة من أقمشة حريرية مصممة في بيت الأزياء. بينما يقف العمال في المحافظات، لا بل المراكز الصناعية الكبرى أرتالا طويلة للحصول على قميص قطني رخيص، لأن هنالك نقصا كما كان في الماضي. ويدل التاريخ على أن تأمين الضروريات لأكبر عدد من الناس أصعب بكثير من تامين الكماليات للقلة منهم.

ويعدد ميكويان منجزاته مستدركا "إن صناعة المارغرين حديثة". صحيح أنه لم يكن في النظام القديم مارغرين، ولكن لا نستنتج من ذلك أن الوضع تفاقم: فالزبدة لم يكن يراها الشعب آنذاك أكثر مما يراها اليوم، إلا أن ظهور مادة بديلة يعني على كل حال وجود طبقتين من المستهلكين في الاتحاد السوفياتي: تفضل إحداهما الزبدة بينما تحاول الثانية الاكتفاء بالمارغرين. ويعلن ميكويان " نحن نلبي طلب الدخان الثقيل ماخوركا"، ناسيا أن يضيف أنه لا أوروبا ولا أمريكا تستخدمان دخانا بهذه النوعية السيئة.

إن أكثر مظاهر اللامساواة وضوحا – إن لم نقل إثارة – فتح مخازن في موسكو وفي مدن أخرى مهمة تبيع بضائع ممتازة وتحمل اسما أجنبيا معبرا جدا "لوكس" (ليوكس) ، بينما تدل الشكاوي الدائمة من السرقات في مخازن البقالة في موسكو والمحافظات على أن ليس هنالك منتجات كافية إلا للأقلية، وأن الجميع يودون مع ذلك الحصول على الغذاء...

إن العاملة التي لديها طفل مرتبطة بالنظام الاجتماعي، ومقياس "الاستهلاك" لديها – كما يقول بازدراء كبار الشخصيات، الحريصون جدا على استهلاكهم الخاص بهم – هو الذي يقرر في نهاية المطاف. وفي الصراع بين البيروقراطية والعاملة، نضع أنفسنا مع ماركس ولينين إلى جانب العاملة ضد البيروقراطي الذي يبالغ في النتائج المستحصل عليها ويخفي التعارضات ويكتم مشاعر العاملة.

وإذا سلمنا أن المارغرين والتبغ الثقيل ضروريان اليوم بشكل قاهر، فلا يجب في هذه الحالة أن نمتدح أنفسنا ونزخرف الحقيقة. إن سيارات ليموزين "للفعالين" وعطورا ممتازة "لنسائنا" ومارغرين للعمال، ومخازن دولوكس للمحظوظين، وصورة أطعمة شهية معروضة في الواجهات للشعب، هذه الاشتراكية لا يمكن أن تمثل في أعين الجماهير سوى رأسمالية مقلوبة. وليس هذا مبالغة، فعلى ارض "البؤس المشرَّك" يهدد الصراع من أجل الضروريات بعودة "كل الركام القديم" وهو يعيد له الحياة جزئيا مع كل خطوة.

وتختلف السوق الحالية عن سوق السياسة الاقتصادية الجديدة في 1921 – 1928 من حيث عليها أن تتطور دون وسيط ودون تجارة خاصة، واضعة منظمات الدولة والتعاونيات والكولخوزات والمواطن وجها لوجه. ولكن هذا من ناحية المبدأ فقط. إن الزيادة السريعة لتجارة المفرَّق (دولة وتعاونيات) ستصل بها إلى 100 مليار روبل في عام 1936، وتجارة الكولخوزات التي تبلغ 16 مليارا في 1935 ستزيد كثيرا هذه السنة. ويصعب علينا أن نقول أي مكان يحتله الوسطاء غير القانونيين في هذا الرقم وإلى جانبه، ولكنه مكان لا بأس به على كل حال. كما الحال مع المزارعين، نلاحظ أن الكولخوزات وبعض أعضاء الكولخوزات ميالون إلى الاستعانة بالوسطاء. ويسير الحرفيون والتعاونيون والصناعات المحلية التي تتعامل مع الفلاحين على الطريق نفسها. ويتكشف فجأة بين آن وآخر أن تجارة اللحوم والزبدة والبيض في منطقة كبيرة قد سقطت في أيدي "تجار فاقدي الذمة".

أما المواد الأكثر ضرورة كالملح وعيدان الكبريت والدقيق والبترول فتشح طوال أسابيع وأشهر في التعاونيات القروية التي تهيمن عليها البيروقراطية رغم توفرها بكميات كبيرة في مستودعات الدولة. ومن الواضح أن الفلاحين يحصلون عليها من مكان آخر. وتتكلم الصحافة السوفياتية على من يبيعون بالمفرَّق بصورة غير مشروعة كما لو كان الأمر عاديا.

إن الوجوه الأخرى للمبادرة والتراكم الفرديين تلعب بشكل واضح دورا أقل أهمية. إن الحوذيين الذين يملكون مركبة أجرة والحرفيين المستقلين، تماما كما المزارع المستقل، تعترضهم صعوبات جمة. وفي موسكو عدد كبير من دكاكين التصليح يملكها أفراد وتتعامى العيون عنها لأنها تسد ثغرات كبيرة. وهناك عدد أكبر بكثير ممن يعملون تحت اللافتات المزيفة لجمعيات وتعاونيات أو يتغطون بالكولخوزات. وتعمل مصلحة الأبحاث الجنائية كما لو كانت مهتمة بكشف الثغرات في جدار الاقتصاد فتوقف بين آونة وأخرى في موسكو نساء فقيرات جائعات يبعن قبعات أو قمصانا قطنية مصنوعة بأيديهن، بتهمة المضاربة.

لقد قال ستالين في خريف عام 1935: "إن قاعدة المضاربة قد تدمرت في بلادنا، وما وجود بعض التجار الغشاشين سوى نتيجة نقص اليقظة الطبقية لدى العمال وليبرالية بعض السلطات السوفياتية تجاه المضاربين"، وهذا هو التفكير البيروقراطي المثالي ! إذا كانت القاعدة الاقتصادية للمضاربات قد دمرت فليس هناك ضرورة لليقظة. ولو كانت الدولة مثلا قادرة على أن تقدم عددا كافيا من القبعات، أية حاجة تبقى حينذاك لتوقيف البائعات البائسات في الشوارع. وعلى كل حال فإن سجنهن غير ضروري، حتى في الوضع الحالي.

وليست أنواع المبادرة الفردية التي ذكرناها مخيفة في حد ذاتها سواء من ناحية الحجم أو الكمية. إننا لا نخاف أن يهاجم بعض سائقي العربات أو بائعات القبعات ومصلحي الساعات وبائعي البيض بالمفرّق سور ملكية الدولة المنيع ! إلا أن المسالة لا يمكن حلها بواسطة النسب الحسابية وحسب. إن ظهور عدد كبير ومتنوع من المضاربين والمتلاعبين على مختلف أشكالهم من أول تساهل إداري، على شكل بقع حمَّى فوق جسم مريض، يدل على الضغط الدائم للميول البرجوازية الصغيرة. إن درجة ضرر جرائم التلاعب هذه التي تلحق بالمستقبل الاشتراكي تحددها القدرة العامة على المقاومة المتوفرة لدى الجهاز الاقتصادي والسياسي في البلاد.

إن الحالة الفكرية والسلوك عند العمال وشغيلة الكولخوزات، أي عند 90 بالمائة تقريبا من السكان تحددهما قبل كل شيء تعديلات أجورهم الفعلية. إلا أنه ليس للعلاقة بين دخلهم ودخل الشرائح الاجتماعية الأكثر حصولا على امتيازات أهمية أدنى. ويظهر قانون النسبية مباشرة في حقل الاستهلاك ! إن التعبير عن العلاقات الاجتماعية جميعها بالحسابات المالية يكشف حصة مختلف الشرائح الاجتماعية من الدخل القومي. فإذا ما رضخنا للضرورة التاريخية للامساواة وبقائها أيضا وقتا طويلا نسبيا، فإن حدود هذه اللامساواة وفائدتها الاجتماعية في كل حالة ملموسة ما تزال مطروحة. وسينقلب الصراع على الحصص من الدخل القومي حتما إلى صراع سياسي. وهنا لنا سؤال: هل النظام الحالي اشتراكي أم لا ؟ إن سفسطات البيروقراطية عاجزة عن إعطاء الجواب الحاسم الذي لن يقدمه سوى موقف الجماهير، أي العمال وفلاحي الكولخوزات.

 

تباين البروليتاريا

يجب أن تكون المعطيات المتعلقة بالأجر الحقيقي هدفا لدراسة دقيقة خاصة في دولة عمالية، كما يجب أن تكون إحصائيات الدخل المتعلقة بفئات السكان واضحة في متناول الجميع، ولكن هذا المجال الذي يهم مصالح العمال الحيوية يغطيه ضباب داكن. وتشكل ميزانية عائلة عمالية سوفياتية رقما غامضا أكثر غموضا منه في أي بلد رأسمالي. ونحن نحاول دون جدوى رسم منحني الأجور الحقيقية لكل درجات العمال خلال الخطة الخمسية الثانية نظرا لصمت الدولة والمسؤولين بهذا الصدد وعرضهم لأرقام موجزة بلا مدلول.

ولقد صرح نيكيدزه مفوض الشعب للصناعة الثقيلة أن المردود الشهري المتوسط للعامل قد زاد 3,2 مرات في 10 سنوات ما بين 1925– 1935 بينما زاد متوسط الأجر 4,5 مرات. فكم يلتهم الأخصائيون والعمال ذوو الأجور العالية من هذا الرقم الأخير الذي يبدو رائعا ؟ وما هي القيمة الفعلية لهذا الأجر – وهذا أمر هام – ؟ إننا عاجزون عن معرفة أي شيء من محتوى هذا التقرير أو من تعليقات الصحف عليه. لقد قال كوساريف سكرتير الشبيبة الشيوعية في مؤتمر الشبيبة في نيسان / أبريل 1936 ما يلي: "لقد زاد أجر الشباب بمقدار 340 بالمائة اعتبارا من كانون الثاني / يناير 1931 حتى كانون الأول / ديسمبر 1936"، ولكن هذا التبجح لم يثر التصفيق المنتظر حتى في صفوف الشباب الذين كانوا كالمحاضر نفسه يعرفون أن الانتقال السريع إلى أسعار السوق زاد من خطورة وضع أغلبية العمال.

وفي عام 1935 كان الأجر المتوسط الناتج من جمع أجور كافة العاملين من مدير التروست إلى الكنـَّاسة حوالي 23000 روبل، وسيصل في عام 1936 إلى حوالي 2500 روبل، وهذا يعني بالسعر الأسمى للصرف 7500 فرنك، تعادل قوتها الشرائية 3500 – 4000 فرنك فرنسي. ويبدو هذا الرقم المتواضع أصغر حجما إذا عرفنا أن زيادة الأجور في عام 1936 ليست سوى تعويض جزئي عن إلغاء جوائز الامتياز ومجانية بعض الخدمات. والمهم في كل هذا أن الأجر 2500 روبل سنويا أي 208 روبل شهريا ليس سوى متوسط أي وهم حسابي معد ليخفي حقيقة اللامساواة القاسية في أجور العمل.

ومما لا جدال فيه أن وضع الشريحة العليا من العمال، وخصوصا ما يسمى بالاستاخانوفيين، قد تحسن بشكل واضح خلال السنة الماضية. وتذكر الصحف كم بذلة وحذاء وحاكيا ودراجة وعلبة مأكولات محفوظة اشترى العمال الذين يحلمون الأوسمة. وهي تكشف بالمناسبة ذاتها كم هذه الأشياء بعيدة عن متناول العامل العادي. ويقول ستالين عن الأسباب التي ولدت حركة استاخانوف: "إننا نعيش بشكل أفضل وأكثر مرحا، وعندما يعيش المرء بشكل أكثر مرحا، فإن العمل يسير بصورة أفضل". ويوجد في هذا الكلام المتفائل، الذي اختص به المسؤولون والمتعلق بالعمل بالقطعة، جزء من الحقيقة: إن تشكيل أرستقراطية عمالية لم يصبح ممكنا إلا بفضل النجاحات الاقتصادية السابقة. ودوافع الاستاخانوفيين ليست في "المرح" بل في الرغبة بكسب أكبر. ولقد عدل مولوتوف تأكيدات ستالين بهذا الصدد قائلا: "لقد اندفع الاستاخانوفيون لتقديم مردود عمل كبير بسبب رغبتهم البسيطة بزيادة دخلهم". وفي الحقيقة تشكلت فئة كاملة من العمال خلال بضعة أشهر أطلق عليها اسم "جماعة الألف" لأن دخلهم كان يزيد عن 1000 روبل شهريا. وهنالك من يكسب أكثر من 2000 روبل، بينما غالبا ما يكسب العامل من الفئة الأدنى اقل من مائة روبل.

إن ضخامة الاختلاف في الأجور تولـِّد لوحدها اختلافا كافيا بين العامل "المرموق" والعامل "العادي"، ولكن البيروقراطية لا تكتفي بهذا. فالاستاخانوفيون مغمورون بالامتيازات، إنهم يأخذون مساكن جديدة، وتتم في بيوتهم إصلاحات عديدة، ويستفيدون من الإجازات الإضافية في بيوت الراحة والاستجمام، ويذهب المعلمون والأطباء إلى بيوتهم عند الحاجة بلا أجر، ويدخلون دور السينما مجانا، كما يحلقون شعورهم في محلات الحلاقة مجانا أو دون انتظار دورهم. وتبدو بعض هذه الامتيازات كأنها مخصصة لجرح وإيذاء العامل المتوسط. إن سبب المراعاة المفرطة من جانب السلطات عائد إلى الوصولية، وفي الوقت ذاته لسوء النية: يستنح القادة المحليون الفرصة بشره لأجل الخروج من عزلتهم، وذلك عن طريق إعطاء امتيازات للأرستقراطية العمالية. والنتيجة أن يتجاوز أجر الاستاخانوفيين أجور العمال العاديين بـ 20 إلى 30 مرة. وأجور المختصين المحظوظين تكفي غالبا لدفع أجر 80 إلى 100 أجير. وهكذا لحق الاتحاد السوفياتي البلاد الرأسمالية وسبقها في مجال اللامساواة بالأجور.

إن أفضل الاستاخانوفيين، الذين يعملون حقيقة بدوافع اشتراكية، لا يغتبطون بالامتيازات بل يستاؤون منها. ونحن نفهمهم: إن التمتع الفردي بمختلف الخيرات في جو من البؤس الشامل يحيطهم بحلقة من العداء والحسد، ويسمم حياتهم. وهذه العلاقات بين العمال أبعد عن الأخلاق الاشتراكية من العلاقات الموجودة في مصنع رأسمالي بين عمال يجمعهم النضال المشترك بوجه الاستغلال.

والحقيقة أن حياة العامل المختص اليومية صعبة، لاسيما في المحافظات. فبالإضافة إلى أنه تم التضحية أكثر فأكثر بيوم العمل المؤلف من سبع ساعات على مذبح زيادة مردود العمل، هنالك ساعات كثيرة يلتهمها الكفاحي الإضافي لتأمين الحياة. وهنالك دلالة خاصة على الرخاء مفادها أن أفضل العمال في السوفخوزات وسائقي الجرارات والآلات الذين يشكلون حاليا أرستقراطية واضحة يملكون أبقارا وخنازير. لقد هجرت إذن النظرية القائلة بأن اشتراكية بدون لبن أفضل من لبن بدون اشتراكية. ويجري الاعتراف حاليا بأن عمال مشاريع الدولة الزراعية، حيث تتوفر الأبقار والخنازير، مضطرون كي يؤمِّـنوا حياتهم لتربية بعض الحيوانات الخاصة. وهنالك تصريح يدعو إلى الدهشة يقول أن 96 ألف عامل من خاركوف يملكون حدائق خاصة لزراعة الخضار. كما أن المدن الأخرى مدعوة لتقليد خاركوف. فأي تبذير خطير للقوى البشرية يعنيه امتلاك "بقرة خاصة وحديقة خاصة" ؟ وأي عبء يتحمله العامل وزوجته وأولاده بالعودة إلى عمل القرون الوسطى بالمجرفة والسماد والتراب ؟

إن اغلب العمال لا يملكون طبعا بقرة أو حديقة، وينقصهم غالبا سقف يؤويهم. ويبلغ أجر العامل اليدوي 1200 – 1500 روبل سنويا وقد ينقص عن ذلك، وهذا يعني بالنسبة للأسعار السوفياتية منتهى البؤس. أما حالة الإسكان التي تدل بوضوح على الحالة المادية والفكرية فسيئة ولا تحتمل أحيانا. فأغلب العمال يتكدسون في مساكن جماعية أسوأ من الثكنات. هل الأمر يتعلق بتبرير إخفاقات في الإنتاج وتقصيرات في العمل وسوء في نوعية البضائع ؟ إن الإدارة تقدم عبر صحفييها أوصافا من هذا النوع لظروف سكن العمال: "العمال ينامون على الأرض، ذلك أن أخشاب الأسرِّة مليئة بالبق، الكراسي محطمة، وليس هنالك أقداح للشرب...". "تسكن عائلتان في غرفة واحدة سقفها مثقوب، وعندما تمطر يجمع الماء في دلاء". "المراحيض في حالة لا يمكن وصفها". ويمكن أن نذكر إلى ما لا نهاية تفاصيل كهذه، صالحة لوصف الوضع في البلاد بأسرها. ولقد كتب مدير صناعة البترول أن ظروف الحياة القاسية أدت إلى "أن يبلغ التميع في ملاك العمل نسبة كبيرة جدا... ويتم إيقاف استغلال الكثير من الآبار بسبب نقص اليد العاملة". وفي بعض المناطق النائية المهملة لا يقبل بالعمل سوى العمال المفصولين من أعمالهم لأسباب انضباطية. وهكذا يتشكل في قاع البروليتاريا شريحة من البؤساء المحرومين من كل الحقوق هم المنبوذون السوفيات، ويضطر فرع هام من الصناعة كصناعة البترول إلى استخدامهم.

ولقد نجحت البيروقراطية، بفعل اللامساواة الصارخة في نظام الأجور التي تزيدها تفاقما الامتيازات الاعتباطية، في خلق صراعات مريرة داخل البروليتاريا. وترسم تقارير الصحف الصادرة حديثا لوحة حرب أهلية صغيرة. فقد كتبت صحيفة النقابات مثلا: "يشكل تخريب الآلات الأسلوب المفضل ( !) للصراع ضد حركة الاستاخانوف". ويذكر "الصراع الطبقي" في كل خطوة. في هذا "الصراع الطبقي" يقف العمال في جهة والنقابات في جهة أخرى، ويطالب ستالين علنا "بالضرب على رؤوس المقاومين". ويهدد أعضاء آخرون من اللجنة المركزية "الأعداء الذين لا يخجلون" بالفناء التام. وتظهر تجربة حركة استاخانوف أية هوة تفصل بين السلطة والبروليتاريا، وكيف تطبق البيروقراطية بكل مثابرة قاعدة "فرّق تسد" ! ولتمويه العمل بالقطعة وتجميله في نظر العامل يطلقون عليه اسم "التنافس الاشتراكي". إن هذه الكلمات في حد ذاتها تدعو إلى السخرية.

إن التنافس الذي تغوص جذوره في البيولوجيا هو في النظام الشيوعي أفضل محرك للحضارة، شريطة أن يكون منزها عن فكرة الكسب، والحسد، والامتيازات. ولكن في المرحلة السابقة لذلك، والتي تعتبر بحد ذاتها مرحلة تحضيرية، ينبغي أن يتم توطيد المجتمع الاشتراكي، لا بأساليب الرأسمالية المتأخرة المذلة التي تطبقها الدولة السوفياتية، بل بوسائل تليق بالرجل المتحرر وبعيدا قبل كل شيء عن هراوة البيروقراطيين، لأن هذه الهراوة هي أبشع ما في التركة التي ورثنها من الماضي. إن من الضروري تحطيمها وحرقها علنا حتى يصبح الحديث عن الاشتراكية ممكنا دون أن تحمر الجباه من الخجل.

 

تناقضات اجتماعية في القرية الجماعية

إذا كانت التروستات الصناعية منشآت اشتراكية، من حيث المبدأ، فلا يمكن أن نقول الشيء ذاته عن الكولخوزات، التي لا تعتمد على ملكية الدولة بل على ملكيات جماعية. إنها أفضل بكثير من الزراعة الفردية المجزأة، فهل ستقود إلى الاشتراكية ؟ إن الأمر يتعلق بسلسلة من الظروف، بعضها داخلي، والبعض الآخر خارجي يتعلق بالنظام السوفياتي بمجمله. أما البعض الآخر، وهو ليس قليلا، فيتعلق بالوضع العالمي.

إن الصراع بين الفلاحين والدولة لم ينته بعد، والتنظيم الحالي للزراعة، الذي ما يزال بعيدا عن الاستقرار، ليس غير مساومة لإرضاء الطرفين بعد حرب أهلية طاحنة. إن 90 بالمئة من العائلات خضعت للتجميع، وحقول الكولخوزات قد أعطت 44 بالمئة من الإنتاج الزراعي؛ وإذا ما تغاضينا عن بعض الكولخوزات المزيفة التي تخفي ورائها مصالح خاصة لوجدنا أن الزراعة المجزأة قد هُزمت بنسبة 9 أعشار، ولكن الصراع الحقيقي للقوى والميول في القرى يتجاوز التعارض البسيط بين المزارعين المنفردين والكولخوزات.

ولتهدئة الريف اضطرت الدولة إلى تقديم تنازلات كبيرة أمام الميول الفردية وروح الملكية لدى أبناء الريف، بدءا بإعطاء الأرض للكولخوزات بصورة دائمة، أي بتصفية تأميم الأرض. فهل هذا مجرد وهم قانوني ؟ قد يصبح هذا الوهم تبعا لميزان القوى حقيقة ويشكل في المستقبل القريب حاجزا منيعا أمام الاقتصاد المخطط. والأهم من ذلك بكثير اضطرار الدولة للسماح بإعادة الحياة لمشاريع الفلاحين الفردية على قطع ارض صغيرة مع أبقارهم وخنازيرهم وخرفانهم وطيورهم.. الخ.. ويقابل هذه الإساءة إلى عملية التشريك وهذا الحد من عملية التجميع موافقة من الفلاح على العمل بسلام، وإن بدون حماس كبير حاليا، داخل الكولخوزات التي تتيح له القيام بواجباته تجاه الدولة، والحصول على بعض المكاسب. ولهذه العلاقات الجديدة أشكال غامضة لدرجة يصعب معها تحديدها بالأرقام حتى ولو كانت الإحصائيات السوفياتية أكثر صدقا. إلا أن هنالك أسبابا عديدة تدعونا إلى الاعتقاد بأن الفلاح الصغير يفضل ملكيته الصغيرة الفردية على الكولخوز. وهذا يعني أن صراعا يشكل كل الحياة الريفية بين الميول الفردية والجماعية، وأن نتيجة هذا الصراع لم يتم حسمها بعد. فإلى أي اتجاه يميل الفلاحون ؟ حتى هم لا يعرفون.

في نهاية عام 1935، قال مفوض الشعب للزراعة: "لقد اصطدمنا حتى الفترة الأخيرة مع الكولاك الذين قاوموا تنفيذ خطة تخزين الحبوب". وهذا يعني أن اغلب الكولخوزيين ظلوا يعتبرون "حتى الفترة الأخيرة" عملية تسليم القمح للدولة عملية خاسرة، ويميلون إلى التجارة الخاصة. وتدل القوانين الصارمة التي وضعت لتحمي مصالح الكولخوزات من أعضاء الكولخوزات أنفسهم على الأمر نفسه، ولكن من زاوية أخرى. وهنالك ظاهرة صارخة هي أن الدولة تؤمِّن على ممتلكات الكولخوزات بـ 20 مليار روبل بينما تؤمن على الممتلكات الفردية لأعضاء الكولخوزات بـ 21 مليارا.

وإذا كان هذا لا يعني أن الفلاحين أغنى من الكولخوزات إلا انه يدل على أن الفلاحين يؤمنون على ممتلكاتهم الفردية باعتناء يفوق اعتناءهم بالممتلكات العامة.

وتربية الحيوانات مهمة في هذا الصدد. ففي حين استمر عدد الخيول في الانخفاض حتى عام 1935، ولم يرتفع قليلا إلا في هذه السنة بفضل تدابير خاصة اتخذتها الدولة، ارتفع عدد الحيوانات القرنية باستمرار، حيث بلغت الزيادة في السنة الماضية 4 ملايين رأس. إن خطة زيادة الخيول لم تنفذ، في السنة الملائمة 1935، إلا بنسبة 94 بالمئة بينما تم تجاوز خطة زيادة الحيوانات القرنية. وهذا يرجع إلى أن الخيول تدخل في ملكية الكولخوزات بينما الأبقار ملكية فردية لأغلب الفلاحين. وهنا علينا أن نضيف أن زيادة الخيول في البراري، حيث يسمح لفلاحي الكولخوزات بامتلاك خيول خاصة، أسرع من نسبة زيادتها في الكولخوزات التي تتفوق في هذا المجال على السوفخوزات. ومن الخطأ أن نستنتج هنا أن المزارع الصغيرة الفردية أفضل من المزارع الجماعية. ولكن الانتقال من الأولى إلى الثانية، أي الانتقال من الهمجية إلى الحضارة يسبب عددا من المشاكل لا يمكن حلها بالتدابير الإدارية وحدها.

"لا يمكن أن يعلو الحق أبدا على النظام الاقتصادي أو على التطور الثقافي للمجتمع الناجم عن هذا النظام.." إن تأجير الأرض الممنوع قانونا ينفذ عمليا على نطاق واسع، وبأسوأ أشكاله، أي بالأجر المدفوع على شكل عمل. وتؤجر بعض الكولخوزات الأراضي إلى كولخوزات أخرى، كما تؤجرها أحيانا إلى الأفراد أو إلى بعض أعضائها النشطين أنفسهم. والسوفخوزات تؤجر الأرض رغم كونها "مشاريع اشتراكية". والأدهى من ذلك أن سوفخوزات البوليس السياسي تتصرف التصرف نفسه... وتحت إشراف المؤسسة العليا الحامية للقانون، نرى مدراء سوفخوزات يفرضون على الفلاحين المستأجرين شروطا مستعارة من عقود القنانة القديمة التي كان السادة يفرضونها على الفلاحين. وهنالك حالات يتم فيها استغلال الفلاحين من قبل بيروقراطيين لا يعملون كموظفي دولة بل كسادة للأرض شبه رسميين.

إننا لا نريد المبالغة في أهمية هذه التصرفات البشعة التي لا يمكن البحث عنها في الإحصائيات، ولكننا لا نستطيع تجاهل مدلولها الكبير. إنها تؤكد بلا جدال قوة الميول البرجوازية في هذا النوع المتأخر من الاقتصاد الذي يهم أغلبية المواطنين، ويزيد تأثير السوق على الميول الفردية، كما يضخم خطر التباين الاجتماعي في الريف رغم البنية الجديدة للملكية.

ارتفع الدخل المتوسط للأسرة في الكولخوزات في عام 1935 إلى حوالي 4000 روبل. ولكن المعدلات لدى الفلاح غزارة أكثر من المعدلات لدى العمال. لقد قيل في الكرملين أن صيادي الأسماك الجماعيين ربحوا في عام 1935 ضعف ما ربحوه في عام 1934، فقد ربح الصياد الواحد مبلغ 1919 روبلا. فالتهبت الأكف بالتصفيق مما يدل على أن هذا الرقم اكبر بكثير من متوسط الدخل لأغلبية العاملين في الكولخوزات. هناك كولخوزات من جهة أخرى زاد الدخل فيها إلى معدل 30000 روبل لكل أسرة دون حساب الدخل العيني والمالي للاستثمارات الفردية، ولا الدخل العيني لعمليات الاستثمار الجماعي بمجموعه: إن دخل مزارع كبير في كولخوزات من هذا النوع يزيد 10 – 15 مرة عن اجر عامل "متوسط" أو صغير في الكولخوزات.

ولا يتحدد سلم الدخل بالاجتهاد في العمل وبالمهارات. فظروف استغلال الكولخوزات وقطع الأرض الشخصية متباينة تماما، وفقا للطقس، والأرض، ونوع الزراعة، والوضع بالنسبة للمدن والمراكز الصناعية. إن التعارض بين المدن والريف لم يختف خلال فترات الخطط الخمسية، بل زاد بسبب التضخم المحموم الذي لحق بالمدن والمناطق الصناعية الجديدة. وتؤدي هذه التناقضات الأساسية في المجتمع السوفياتي إلى تناقضات بين الكولخوزات، وفي قلبها تماما بسبب الريع المتغير.

والسلطة البيروقراطية غير المحدودة سبب هام من أسباب التباين. إنها تملك رافعات كالأجور والتسليف والأسعار والضرائب. وتتوقف الأرباح الكبيرة لبعض مزارع القطن الجماعية في آسيا الوسطى على العلاقات بين الأسعار التي تحددها الدولة أكثر مما على عمل الفلاحين. إن استغلال بعض شرائح المواطنين للبعض الآخر لم ينته ولكنه أصبح مقنـَّعا. إن الكولخوزات الأولى "الغنية"، وهي بعشرات الألوف، حصلت على رفاهيتها على حساب بقية الكولخوزات والعمال. إن تامين الرفاهية لكل الكولخوزات يحتاج لجهد أكبر ومدة أطول من منح امتيازات للأقلية على حساب الأغلبية.

لقد وجدت المعارضة اليسارية في عام 1927 أن "دخل الكولاك قد زاد عن دخل العامل بصورة محسوسة" وهذا الوضع يستمر اليوم بشكل آخر: فدخل الأقلية المتميزة في الكولخوزات قد ازداد أكثر بكثير من دخل غالبية جماهير الكولخوزات والمراكز العمالية. وتباين الظروف الحياتية اليوم أكبر من التباين عشية تصفية الكولاك.

ويظهر التباين وسط الكولخوزات في حقل الاستهلاك الفردي وفي الاقتصاد الخاص بالأسرة، حيث غدت وسائل الإنتاج الرئيسية اشتراكية. وقد أصبح للتباين بين الكولخوزات نتائج عميقة الأثر، حيث تستطيع الكولخوزات الغنية استخدام السماد والآلات بشكل أوسع فتثري بسرعة أكبر. وقد تستأجر الكولخوزات الغنية اليد العاملة من الكولخوزات الفقيرة، في حين تغلق السلطات عينها عن الأمر. والواقع أن منح مساحات غير متساوية من الأرض للكولخوزات بصورة نهائية يساعد إلى أقصى الحدود على حصول التباين في المستقبل، وبالتالي على تشكيل "كولخوزات برجوازية"، أو كما تسمى الآن "الكولخوزات مالكة الملايين".

وتستطيع الدولة بلا شك التدخل كمعدِّل لهذا التباين الاجتماعي. ولكن في أي اتجاه وبأي مقدار ؟ إن ضرب الكولخوزات الغنية يعني فتح معركة جديدة مع أكثر العناصر "تقدمية" في الريف؛ تلك العناصر التي تشعر بعد فترة الإرهاق والألم برغم كبيرة في "حياة هنيئة". هذا وإن الدولة نفسها تغدو أقل فأقل قدرة على ممارسة رقابة اشتراكية. إنها تبحث في الزراعة والصناعة عن دعم وصداقة الأقوياء المنتفعين من النجاح و"استاخانوفيي الحقول" و"الكولخوزات مالكة الملايين". وبعد أن بدأت بالتفكير في قوى الإنتاج تنتهي حتما بالتفكير في نفسها.

وفي حقل الزراعة، حيث يرتبط الاستهلاك بالإنتاج ارتباطا وثيقا، خلقت البيروقراطية أساسا للتطفل البيروقراطي الذي يصيب المسؤولين في الكولخوزات. أما "الهدايا" التي يحملها عمال الكولخوزات إلى القادة في الاجتماعات الاحتفالية في الكرملين فتمثل بشكل رمزي الإتاوة غير الرمزية أبدا التي يقدمونها إلى السلطات المحلية.

وهكذا نجد في حقل الزراعة، أكثر مما في الصناعة، أن مستوى الإنتاج المنخفض يدخل في صراع مع الأشكال الاشتراكية وحتى التعاونية والكولخوزية للملكية. وتقوم البيروقراطية الناجمة عن هذا التناقض بزيادة حدته بدورها.

 

الوجه الاجتماعي للأوساط الحاكمة

تهاجم الأدبيات السوفياتية "البيروقراطية" عادة وتعتبرها شكلا سيئا للتفكير أو العمل. (هذه الإدانات يوجهها الرؤساء دائما للمرؤوسين، وهي بالنسبة للرؤساء وسيلة للدفاع عن أنفسهم). ولكننا لا نجد في أي مكان دراسة مخصصة للبيروقراطية كشريحة حاكمة، وحجمها وبنيتها، ولحمها ودمها، وامتيازاتها وشهواتها، ومقدار ما تمتصه من الدخل القومي. ومع ذلك فهذه الوجوه من البيروقراطية موجودة. ولكن إخفاءها وجهها الاجتماعي بكل انتباه يدل على وعيها الخاص "كطبقة" حاكمة لا ينقصها حتى الآن سوى ضمانة حقها في السلطة.

ومن المستحيل إعطاء أرقام دقيقة عن البيروقراطية السوفياتية، وهذا ناجم عن سببين، أولهما صعوبة القول أين تنتهي الأداة الإدارية في بلد الدولة فيه سيد مطلق وحيد، وثانيهما السكوت المطبق للإحصائيين والاقتصاديين والصحفيين السوفيات حول هذا الموضوع، ويقلدهم في هذا السكوت "أصدقاء الاتحاد السوفياتي". ولنذكر هنا أن الزوجين ويب لم يعتبرا أبدا في كتابهما المؤلف من 1200 صفحة أن البيروقراطية السوفياتية فئة اجتماعية. وليس هذا غريبا، لقد كانا يكتبان في الحقيقة بوحي منها.

كانت المكاتب المركزية للدولة في أول تشرين الثاني / نوفمبر 1933 حسب الأرقام الرسمية تتألف من 55000 رجل ينتمون إلى الجماعة الحاكمة، ولكن هذا الرقم قد تضاعف بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وهو لا يشمل الجيش أو الأسطول أو البوليس السياسي أو إدارة التعاونيات وما يسمى الشركات ( طيران، كيمياء) وأخرى غيرها. ولكل جمهورية إضافة إلى ذلك جهازها الحكومي الخاص. وبالتوازي مع هيئات أركان الدولة والنقابات والتعاونيات والمؤسسات الأخرى، ثمة في الأخير هينة أركان الحزب كلية القدرة، التي تمتزج جزئيا بتلك الهيئات. ولا نبالغ أبدا إذا اعتبرنا عدد أفراد الوسط الحاكم للاتحاد السوفياتي والجمهوريات المتواجدة فيه بـ 400 ألف رجل، وقد يبلغ اليوم اصف مليون. وليس هؤلاء مجرد موظفين. إنهم موظفون كبار، "رؤساء" يشكلون (1) فئة مغلقة حاكمة بكل معنى الكلمة، مقسمة بالطبع بشكل تسلسلي وبحواجز كبيرة.

ويدعم هذه الشريحة الاجتماعية العليا هرم إداري ضخم متعدد الوجوه واسع القاعدة. ويبلغ تعداد أفراد اللجان التنفيذية لسوفياتات المدن والمناطق والأقسام، مضافا إليها الأجهزة الموازية الخاصة بالحزب والنقابات والشبيبة الشيوعية والنقل والجيش والأسطول والأمن العام حوالي مليوني شخص، علاوة على رؤساء سوفياتات 600 ألف قرية ودسكرة.

كانت إدارة المنشآت الصناعية عام 1933 بين أيدي 17 ألف مدير ومدير مساعد. وكان عدد الأشخاص الإداريين والفنيين في المصانع والمناجم بما فيهم الكادرات الأدنى حتى درجة مراقب حوالي 250 ألف شخص (منهم 54 ألف أخصائي لا يقومون بوظائف إدارية بكل معنى الكلمة). يضاف إلى ذلك أعضاء الحزب والنقابات والمشاريع المدارة عبر الثلاثي إدارة – حزب – نقابة. ولا نبالغ إذا قدرنا عدد إداريي المؤسسات الأهم بنصف مليون شخص. ثم علينا أن نضيف إلى ذلك أشخاص المؤسسات التابعة للجمهوريات القومية والسوفياتات المحلية.

وتدل الإحصائيات الرسمية لعام 1933 على أن هنالك أكثر من 860 ألف مدير وأخصائي في الاقتصاد السوفياتي بأكمله، منهم 480 ألفا في الصناعة وأكثر من 100 ألف في النقل و93 ألف في الزراعة و25 ألف في التجارة. وتشمل هذه الأرقام الأخصائيين الذين لا يقومون بوظائف إدارية ولكنها لا تشمل أشخاص التعاونيات والكولخوزات. ولقد تزايدت هذه الأرقام بسرعة في السنوات الأخيرة.

أما عدد الرؤساء والمنظـِّمين الشيوعيين لـ 250 ألف كولخوز فقد بلغ مليون شخص، وقد يكون أكثر من ذلك بكثير. فإذا ما شملنا مدراء السوفخوزات ومحطات الآليات والجرارات وجدنا أن الجهاز القيادي في الزراعة الاشتراكية يتجاوز المليون كثيرا.

في عام 1935 كانت الدولة تملك 113 ألف مؤسسة تجارية، والتعاونيات 200 ألف مؤسسة، وليس مدراء الأولى والثانية وكلاء بل موظفون تابعون لاحتكارات الدولة. وتشتكي الصحافة السوفياتية نفسها ما بين آونة وأخرى "من أن التعاونيين قد كفوا عن اعتبار فلاحي الكولخوزات موكليهم". كما لو أن آلية التعاون تختلف نوعيا عن آلية النقابات والسوفياتات والحزب !

أما الشريحة الاجتماعية التي لا تقدم عملا إنتاجيا مباشرا، وتقود وتدير وتوزع العقوبات والمكافآت (ونحن لا نشمل المدرسين) فإن عددها يتراوح بين خمسة وستة ملايين شخص، وليس هذا الرقم دقيقا تماما. إنه عبارة عن نتيجة تقديرات أولية تدل على أن "الخط العام" غير متجرد إطلاقا.

تتراوح نسبة الشيوعيين في مختلف مستويات الوظائف الإدارية المتسلسلة من الأسفل إلى الأعلى بين 20 و90 بالمئة، ويشكل الشيوعيون والشبيبة الشيوعية في الكتلة البيروقراطية 1,5 –2 مليون شخص. ولقد نقص هذا الرقم الآن بعد عمليات التطهير المتواصلة. هذا هو هيكل السلطة العام. ويشكل الرجال ذاتهم هيكل الحزب والشبيبة الشيوعية. ولم يعد الحزب البلشفي السابق هو طليعة البروليتاريا بل التنظيم السياسي للبيروقراطية. إن مجموع أعضاء الحزب والشبيبة يقدمون الأعضاء الفعالين أو بمعنى آخر احتياطي البيروقراطية. ويلعب الأفراد الفعالون غير الحزبيين الدور ذاته أيضا.

ومن المحتمل أن تساوي الأرستقراطية العمالية والكولخوزية عدد أفراد البيروقراطية، أي 5 – 6 مليون شخص (الاستاخانوفيون والمواطنون الفعالون غير الحزبيين، والرجال الموثوقون، والأقارب، والأصحاب النفعيون). وتصل هاتان الشريحتان الاجتماعيتان المتداخلتان مع عائلتيهما إلى حوالي 20 – 25 مليون شخص. ولقد قدرنا العائلات بأرقام قليلة آخذين بعين الاعتبار أن الزوج والزوجة، وأولادهما أحيانا، يشكلون غالبا جزءا من الجهاز البيروقراطي. زد على ذلك أن نساء الأوساط الحاكمة قادرات على تحديد نسلهن بسهولة أكثر من العاملات والفلاحات، ولا يتأثرن بالحملة الحالية التي تقوم بها البيروقراطية ضد عمليات الإجهاض. وهكذا فإن 12 – 15 بالمئة من الشعب يشكلون القاعدة الاجتماعية الحقيقة للوسط الحاكم المطلق.

وفي الوقت الذي لا تجد فيه أغلبية الشعب غرفة للفرد أو تغذية كافية أو ألبسة لائقة، يعمل ملايين البيروقراطيين كبارا وصغارا على استخدام السلطة لتأمين رفاهيتهم الخاصة قبل كل شيء آخر. ومن هنا تنبع أنانية هذه الشريحة الاجتماعية وتماسكها الشديد وخوفها من نقمة الجماهير، وإصرارها على قمع كل نقد، وعبادتها المخاتلة "للزعيم" الذي يدافع عن امتيازات السادة الجدد وسلطاتهم.

والبيروقراطية نفسها أقل تجانسا من العمال والفلاحين. فثمة هوة بين رئيس سوفييت القرية والشخصية الكبرى في الكرملين. وللموظفين الصغار على اختلاف درجاتهم مستوى معاشي بدائي جدا يقل عن مستوى العامل المختص في الغرب. ولكن كل شيء نسبي: فمستوى حياة الناس من حوله أقل من مستواه بكثير. إن وضع مدير الكولخوز والمنظم الشيوعي والتعاوني في القاعدة، والموظف الأعلى قليلا، لا يتوقف أبدا على إرادة "الناخبين". كما يمكن لكل رئيس أن يضحي بأي موظف بغية امتصاص بعض النقمة، كما يمكن لكل موظف أن يرتفع حين تسنح الفرصة إلى درجة أعلى. وكلهم متصلون ببعضهم – حتى أول صدمة جدية – بمسؤولية جماعية أمام الكرملين.

وتتضمن الأوساط الحاكمة، من حيث ظروف معيشتها، مختلف الدرجات، من البرجوازية الريفية الصغيرة إلى البرجوازية المدينية الكبيرة. وتتوافق مع الظروف المادية عادات ومصالح وأساليب في التفكير. ولا تختلف نفسية رؤساء النقابات السوفياتية اليوم عن نفسية أمثال سيترين وجوهو وغرين (2).

إن تقاليدهم وتعابيرهم مختلفة، ولكن مواقفهم تشترك بالتعالي الدائم على الجماهير، والمهارة الوقحة في المناورات الصغيرة، وبروح المحافظة وضيق الأفق والرغبة الأنانية بتأمين السلامة الشخصية، واحترام أكثر أنواع الثقافة البرجوازية ضحالة. ولا يختلف الجنرالات والعقداء إلا قليلا عن ضباط بقية الجيوش العالمية، ولكنهم يحاولون التشبه بهم ما أمكن. أما الديبلوماسيون السوفيات فإذا لم يكونوا استعادوا "الفراك" (3) ، فقد استعادوا طريقة تفكير زملاءهم الغربيين. ويعمل الصحفيون السوفيات كل حسب طريقته ولكنهم يخدعون قراءهم مثل صحفيي البلاد الأخرى.

من الصعب إعطاء تقديرات عددية عن البيروقراطية، ولكن من الأصعب تقدير دخلها. لقد احتجت المعارضة منذ عام 1927 لأن "الجهاز الإداري المتضخم والمتمتع بامتيازات عديدة يستهلك جزئا كبيرا من فائض القيمة". وحدد برنامج المعارضة أن الجهاز التجاري وحده "يستهلك جزءا كبيرا من الدخل القومي يزيد عن 10/1 الإنتاج العام". عندها أخذت السلطات احتياطاتها لتجعل من المستحيل أعداد حسابات مماثلة، الأمر الذي زاد المصروفات العامة بدلا من أن يقللها.

وليس الوضع في الشؤون الأخرى أفضل من وضع التجارة. وكتب راكوفسكي عام 1930 أن صراعا مؤقتا بين بيروقراطيي الحزب والنقابات كشف للشعب أن المكاتب استهلكت 80 مليون روبل من أصل ميزانية نقابية تعادل 400 مليون روبل. هذا فيما يتعلق بالميزانية الرسمية. إذ تتلقى البيروقراطية النقابية من البيروقراطية الصناعية منحا مالية ومساكن ووسائل مواصلات... الخ. وقد تساءل راكوفسكي "كم تكلف صيانة مكاتب الحزب والتعاونيات والكولخوزات والسوفخوزات والصناعة والإدارة بكل تشعباتها ؟ وأجاب بما يلي: "حتى المعلومات الاحتمالية تنقصنا في هذا الصدد".

ولفقدان المراقبة نتيجة حتمية هي المبالغات والمصروفات الزائدة. ففي 29 أيلول / سبتمبر 1935 تساءلت الحكومة للمرة الثانية عن سر سوء العمل في التعاونيات ولاحظت تحت توقيع ستالين ومولوتوف وجود "سرقات، وعمليات تبذير كبيرة، وأعمال مصابة بالعجز في كثير من التعاونيات الريفية". وفي كانون الثاني / يناير 1936 اشتكى مفوض الشعب للمالية في دورة اللجنة التنفيذية من أن السلطات التنفيذية المحلية تقوم باستخدام موارد الدولة بشكل تعسفي، ولم يسكت مفوض الشعب عن الأجهزة المركزية إلا لأنه عضو فيها.

إننا لا نملك معطيات تدلنا على قيمة ما تأخذه البيروقراطية من الدخل القومي. لا لأنها تخفي دخلها القانوني فحسب ولا لأنها إذ تحاذي التجاوزات باستمرار، وتقع فيها غالبا تستحوذ على مداخيل غير مشروعة ضخمة، بل لأن التقدم الاجتماعي بمجموعه، كتنظيم المدن وتأمين الرفاهية والثقافة، يتم أساسا، إن لم يكن حصرا لمصلحة الأوساط الحاكمة. ويمكن القول عن البيروقراطية كمستهلكة ما قيل في الماضي عن البرجوازية. إنها لا تبالغ في استهلاك المواد الأساسية، ولكنها تحتكر كل مكاسب الحضارة القديمة والحديثة. مبدئيا على الأقل، هذه المكاسب هي في متناول كل المواطنين، أو على الأقل سكان المدن. والحقيقة أن الشعب لا يستفيد منها إلا استثنائيا، بينما تحصل البيروقراطية منها على ما تريد، وعندما تريد، كما لو أنها من ممتلكاتها الخاصة. فإذا ما أضفنا إلى الأجور كل الامتيازات المادية والمكاسب الإضافية شبه القانونية، وحصة البيروقراطية من الحفلات ومدن الراحة والمستشفيات وأماكن النقاهة والراحة والمتاحف والنوادي والمنشآت الرياضية لوجدنا أن 15 – 20 بالمئة يتمتعون بالقدر من الخيرات الذي يتمتع به 80 إلى 85 بالمائة من المواطنين.

إن على "أصدقاء" الاتحاد السوفياتي الذين سيحتجون على هذه الأرقام أن يعطونا أرقاما أكثر دقة. فليستحصلوا من البيروقراطية على نشر مداخيل ومصاريف المجتمع السوفياتي؛ إننا سنتمسك برأينا حتى يتم ذلك. إن توزيع خيرات الأرض في الاتحاد السوفياتي أكثر ديمقراطية بكثير مما كان عليه أيام النظام الروسي القديم، لا بل في أكثر البلاد الغربية ديمقراطية، ولكن ليس فيه من الاشتراكية إلى الآن شيء تقريبا.


1. لقد آثرت ترجمة كلمة Caste بفئة مغلقة. والكلمة مرجعها نظام الطوائف الاجتماعية المنغلق، المتميز اجتماعيا. (المعرب)
 

2. زعماء نقابيين غربيين. (المعرب)
 

3. بذلة سوداء رسمية. (المعرب).