كارل ماركس

الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت

(5)

وما أن مرت الأزمة الثورية وألُغي الاقتراع الشامل حتى نشب الصراع ثانية بين الجمعية الوطنية وبونابرت.

حدد الدستور مرتب بونابرت بـ 600000 فرنك. ولم تكن تمضى ستة أشهر على تنصيبه حتى نجح في زيادة هذا المبلغ إلى الضعف لأن أوديلون بارو أنتزع من الجمعية التأسيسية علاوة إضافية قدرها 600000 فرنك سنويًا لسد نفقات ما يسمى بنفقات التمثيل. وبعد اليوم الثالث عشر من حزيران (يونيو) أوغر بونابرت بالمجاهرة بطلبات مماثلة ولكن دون أن يجد في هذه المرة أذنًا صاغية لدى بارو. والآن، بعد الحادي والثلاثين من أيار (مايو)، أستغل بونابرت على الفور اللحظة المؤاتيه وجعل وزراء يقترحون في الجمعية الوطنية مخصصات للرئاسة تبلغ ثلاثة ملايين فرنك سنويًا. أن حياة طويلة من التشرد والمغامرة قد أكسبته حاسة شديدة للغاية لأقصى لحظات الضعف التي يمكن أن يعتصر فيها المال من البرجوازيين. كان يزاول الابتزاز حقًا وفعلاً. كانت الجمعية الوطنية قد أنتهكت سيادة الشعب بمساعدته وباطلاعه، فهدد بشجب جريمتها أمام محكمة الشعب ما لم تحل كيسها وتشتر سكوته بثلاثة ملايين فرنك سنويًا. وقد سلبت الجمعية الوطنية ثلاثة ملايين فرنسي حقهم الانتخابي فطلب، مقابل كل فرنسي وضع خارج التداول السياسي، فرنكا واحدًا قيد التداول أي ثلاثة ملايين فرنك بالتمام. وطالب، وهو منتخب ستة ملايين، بتعويضات عن الأصوات التي قال إنها سرقت منه بالغش في وقت لاحق. ورفضت لجنة الجمعية الوطنية طلب هذا الملحاح. وأخذت الصحافة البونابرتية تهدد. هذ في وسع الجمعية الوطنية أن تقطع صلاتها مع رئيس الجمهورية في لحظة كانت قد قطعت فيها، من حيث المبدأ، صلاتها مع جمهور الأمة بصورة نهائية؟ صحصح إنها رفضت المخصصات السنوية ولكنها منحت لمرة واحدة علاوة إضافية قدرها مليونان ومائة وستون ألف فرنك. وهكذا أدانت نفسها بضعف مزدوج: بمنحها المال وبإظهارها في الوقت ذاته، بالضيق الذي أبدته، إنها منحته على غير إرادتها. وسوف نرى فيما بعد لأي غرض كان بونابرت يحتاج هذا المال. بعد هذه العاقبة المزعجة التي جاءت في أثر إلغاء حق الاقتراع الشامل، والتي استعاض فيها بونابرت عن الموقف المتواضع الذي وقفه أبان أزمة آذار (مارس) ونيسان (أبريل) بالتحدي الوقح للبرلمان الغاصب، أجلت الجمعية الوطنية جلساتها ثلاثة شهر من 11 آب (أغسطس) حتى 11 تشرين الثاني (نوفمبر). وخلفت مكانها لجنة دائمة مؤلفة من ثمانية وعشرين عضوًا لم تكن تضم بونابرتيين ولكنها قد ضمت بعض الجمهوريين المعتدلين. أن اللجنة الدائمة لسنة 1849 ضمت أعضاء حزب النظام وبونابرتيين فحسب. بيد أن حزب النظام قد أعلن آنذاك أنه ضد الثورة بصفة دائمة. وفي هذه المرة أعلنت الجمهورية البرلمانية أنها ضد الرئيس بصفة دائمة. وفي هذه المرة أعلنت الجمهورية البرلمانية إنها ضد الرئيس بصفة دائمة. وبعد قانون 31 أيار كان هذا هو المنافس الوحيد الذي ما زال يواجه حزب النظام.

عندما انعقدت الجمعية الوطنية مرة أخرى في شهر تشرين الثاني 1850، بدا أنه غدًا لا مناص من نشوب صراع كبير قاس، صراع حياة أو موت بين السلطتين، بدلاً من المناوشات الطفيفة التي قامت حتى الآن بين البرلمان والرئيس.

وكما في سنة 1849، كذلك أثناء العطلة البرلمانية لعام 1850 أنقسم حزب النظام إلى كتل متفرقة انهمكت كل واحدة بمكائدها لإعادة الملكية، وهي المكائد التي حصلت على غذاء جديد بوفاة لويس فيليب. بل أن ملك الشرعيين، هنري الخامس، عين وزارة رسمية اتخذت باريس مقرًا لها وشغل بعض الأعضاء في اللجنة الدائمة مقاعد فيها. ولهذا كان من حق بونابرت، بدوره، أن يقوم برحلات في المقاطعات الفرنسية فيها مشاريع الإعادة الخاصة به بقدر متفاوت من الصراحة ويتصيد الأصوات الانتخابية لنفسه وفقًا لمزاج المدينة التي كان يسعدها بحضوره. وفي هذه المواكب. التي كانت تحتفل بها الصحيفة الرسمية الكبرى “Moniteur” (1) والصحف الصغرى الخصوصية التابعة لبونابرت بطبيعة الحال بوصفها مواكب ظفر، كان يرافقه دائمًا أشخاص ينتمون على جمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر). وهذه الجمعية يرجع تأسيسها إلى سنة 1849. فبحجة تأسيس جمعية خيرية ثم تنظيم حثالة البروليتاريا في باريس في أقسام سرية يقود كل قسم منها وكلاء بونابرتيون ويرأس الجميع جنراك بونابرتي. جنبًا إلى جنب مع الفجرة الذين بددوا أموالهم والمشكوك في وسائل معاشهم والمشكوك في أصلهم ومع المغامرين المنفلتين من أوباش البرجوازية الفاجرين كان هنالك متشردون وجنود مسرحون وزبائن سجون مطلقو السراح وهاربون من الأشغال الشاقة ونصابون ومشغوذون ومتسكعون ونشالون ومحتالون ومقامرون وقوادون وأصحاب مواخير وحمالون ونساخون وضاربو أرغن وجماعوا أسمال وسنانو سكاكين ولحامو معادن ومتسولون – وباختصار جميع هذا الجمهور السائب، المتنوع، غير المحدد تدفعه الظروف هنا وهناك والذي يسميه الفرنسيون: La bohéme (بوهيما. الناشر.). من هذه العناصر القريبة منه، كوّن بونابرت نواة جمعية العاشر من كانون الأول – “جمعية خيرية” – إذ كان يشعر جميع أعضائها، شأنهم شأن بونابرت، بالحاجة إلى اجتلاب الخيرات لأنفسهم على حساب قسم الأمة الكادح. وبونابرت هذا الذي يجعل من نفسه رئيسًا لحثالة البروليتاريا والذي يرى فيها وحدها انعكاسًا جماعيًا لمصالحه الشخصية والذي يرى في هذا الزبد والسقط والقمامة من جميع الطبقات الطبقة الوحيدة التي يستطيع أن يستند إليها دون قيد أو شرط، هو بونابرت الحقيقي، بونابرت Sans phrase (دون زينة. الناشر.). أنه، وهو الفاسق الماكر القديم، ينظر إلى الحياة التاريخية للشعوب وإلى جميع المآسي التي تحملها هذه الحياة نظرته إلى ملهاة بأكثر المعاني ابتذالاً وإلى مسخرة مجّرد قصد الملابس الفخمة والكلمات والمواقف فيها أن تخفي أصغر النذالات. فهكذا في غزوة ستراسبورغ أدى عقاب سويسري مدرب دور النسر النابوليوني. وأثناء الغارة التي شنها على بولون، ألبس بعض الخدم اللندنيين البزات العسكرية الفرنسية. إنهم كانوا يمثلون الجيش (2) . وفي جمعية العاشر من كانون الأول حشد عشرة آلاف من الأوغاد عليهم أن يؤدوا دور الشعب كما نوى نك بوتوم أن يؤدي دور الأسد (3) . وفي اللحظة كانت البرجوازية نفسها تؤدي فيها الملهاة بأتم صورها، ولكن بأكثر المظاهر الجدية، دون أن تخرق أي شرط من الشروط المتحذلقة لأصول فن الدراما في فرنسا، وكانت هي نفسها ما بين منخدعة ومقتنعة بمهابة المسرحية التي تقوم بها، كان لابد للمغامر، وهو الذي أخذ الملهاة التي يقوم بها تاريخ العالم، إلا عندما قضى على خصمه الوقور، عندما صار يأخذ بنفسه الآن دوره الإمبراطوري بصورة جدية ويتصور وهو تحت القناع النابوليوني أنه نابوليون الحقيقي. وقد كانت جمعية العاشر من كانون الأول، وهي القوة المقاتلة الحزبية التي يتميز بها بونابرت، تقوم عنده مقام المشاغل الوطنية عند العمال الاشتراكيين والحرس المتنقل عند الجمهوريين البرجوازيين. في أثناء رحلاته كان على قطعات هذه الجمعية المرصوصة في محطات السكك الحديدية أن ترتجل جمهورًا له وأن تمثل مناظر الحماسة العمومية وأن تزأر: “Vive lEmpereur” (عاش الإمبراطور!. الناشر.) وأن تهين الجمهوريين وتضربهم، بحماية البوليس بالطبع. وفي رحلات إيابه إلى باريس كان عليها أن تؤلف حرس الطليعة، أن تستبق المظاهرات المعاكسة أو تفرقها. أن جمعية العاشر من كانون الأول كانت تخصه، كانت عمله، كانت فكرته الخاصة بالذات. أما كل ما يحوزه فيما عدا ذلك، فقد وضع بيديه بحكم الظروف. وكل ما يفعله فيما عدا ذلك، تفعله الظروف له أو يكتفي بالنسخ عن أعمال الآخرين. بيد أن بونابرت بالعبارات الرسمية حول النظام والدين والعائلة والملكية تقال علنًا وعلى ملأ من البرجوازيين بينما يستند سرًا إلى جمعية شوفتيرله وسبيغلبرغ (4) وإضرابها، جمعية الفوضى والدعارة والسرقة – إنما هو بونابرت نفسه في صفة المؤلف الأصلي، وتاريخ جمعية العاشر من كانون الأول هو تاريخه الخاص. لقد حدث ذات مرة حادث خارق: فإن بعض النواب من حزب النظام وقع تحت هراوات أعضاء جمعية العاشر من كانون الأول. بل أكثر من ذلك. فإن يون، مفوض الشرطة المكلف بالسهر على سلامة الجمعية الوطنية، أبلغ اللجنة الدائمة، استنادا إلى تصريح من شخص يدعى آليه، أن فرعًا من فروع جمعية العاشر من كانون الأول قررت اغتيال الجنرال شانغارنييه ودوبان، رئيس الجمعية الوطنية، وأنه قام بالفعل بتعيين الأشخاص الذي كان عليهم تنفيذ هذا الفعل. ويستطيع المرء أن يتصور مدى الجزع الذي تملك المسيو دوبان. وبدا أنه لا مناص من القيام بتحقيق برلماني يتناول جمعية العاشر من كانون الأول، أي من انتهاك قدسية العالم البونابرتي السري. وقبيل أنعقاد الجمعية الوطنية عمد بونابرت، على سبيل التحوط، إلى تسريح جمعيته، على الورق فحسب بطبيعة الحال، وذلك لأن مدير الشرطة كارلييه كان ما يزال يسعى عبثًا في مذكرة تفصيلية وضعها في نهاية عام 1851 إلى دفعه إلى حل هذه الجمعية بصورة حقيقية.

وكان لجمعية العاشر من كانون الأول أن تبقى جيش بونابرت الخصوصي حتى نجح في تحويل جيش الدولة إلى جمعية العاشر من كانون الأول. وقد قام بونابرت بالمحاولة الأولى في هذا الصدد بعد أرفضاض الجمعية الوطنية بوقت قصير وبالمال ذاته الذي أغتصبه منها. وهو، بوصفه قدريًا، يعيش في العقيدة القائلة أن هنالك قوى عاوية معينة لا قبل للإنسان، وخاصة الجندي، بمقاومتها، وهو يعد من بين هذه القوى أولاً وقبل كل شيء لفافات السيجارة والشمبانيا ولحم الطيور البارد والمقانق المحشوة بالثوم. وبناء على ذلك، عمد بادئ ذي بدء إلى تضييف الضباط وضباط الصف في مقاصير الابليزيه لفافات السيجار والشمبانيا ولحم الطيور البارد والمقانق المحشوة بالثوم. وفي الثالث من تشرين الأول، أعاد هذه المناورة مع جمهرة من الجنود في استعراض سان – ماور، وفي العاشر من تشرين الأول كرر المناورة نفسها على نطاق أكبر في استعراض الجيش الرئيسي في ساتوري. لقد تذكر العم حملات الاسكندر في آسيا وتذكر أبن زحوف باخوس (5) المظفرة في البلاد ذاتها. صحيح أن الاسكندر كان نصف إله ولكن باخوس كان إلهًا حقيقيًا بل كان الإله الحامي لجمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر).

بعد استعراض الثالث من تشرين الأول (أكتوبر) استدعت اللجنة الدائمة وزير الحربية دوبول فوعد بالا يتكرر هذا الخرق للانضباط. ونحن نعرف كيف حافظ بونابرت في العاشر من تشرين الأول على كلمة دوبول. أن شانغارنييه، بوصفه قائدًا عامًا لجيش باريس، قد قاد الاستعراضيين وهو، إذ كان في وقت واحد عضوًا في اللجنة الدائمة ورئيسًا للحرس الوطني و”منقذ” 29 كانون الثاني (يناير) و13 حزيران (يونيو) و”حضن المجتمع” ومرشح حزب النظام لشرف الرئاسة و”مونك” المظنون لملكيتين، لم يعترف حتى الآن مطلقًا بأنه دون وزير الحربية منزلة وكان يزدري دائمًا الدستور الجمهوري بصورة مكشوفة ويتتبع بونابرت بحماية مبهمة فيها استعلاء. وقد استبدت به الآن الحماسة للذود عن الانضباط ضد وزير الحربية وعن الدستور ضد بونابرت. وبينما كان فريق من الفرسان في العاشر من تشرين الأول يصيحون: “Vive Napoléon! Vivent les saucissons!” (عاش نابوليون! عاشت المقانق!. الناشر.) وضع شانغارنييه ترتيبًا لجعل المشاة الذين يمرون أمام المنصة تحت قيادة صديقة نيماير على الأقل يراعون الصمت المطبق. وعقابًا على ذلك أعفى وزير الحربية الجنرال نيماير من وظيفته في باريس بتحريض من بونابرت، بحجة تعيينه قائدًا عامًا للفرقتين العسكريتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة. وقد رفض نيماير هذا التبادل في الوظائف فكان عليه بذلك أن يستقبل. أما شانغارنييه فقد أذاع من جانبه أمرًا في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) منع فيه الجنود من الانغماس في الصراخ السياسي أو المظاهرات من أي نوع ما داموا تحت السلاح. وهاجمت جرائد الأيليزية (6) شانغارنييه وهاجمت جرائد حزب النظام بونابرت، وعقدت اللجنة الدائمة جلسات سرية متكررة أقترح فيها تكرارًا اعلان الوطن في خطر. وبدا أن الجيش انقسم إلى معسكرين متعاديين لهما هيئتان متعاديتان للأركان العامة ، واحدة في الأيليزيه حيث كان يسكن بونابرت والأخرى في التويلري حيث كان مقر شانغارنييه. وبدا أن انعقاد الجمعية الوطنية قد يغدو الإشارة للمعركة. وحكم الجمهور الفرنسي على هذا الاحتكاك بين بونابرت وشانغارنييه كما فعل ذلك الصحفي الانجليزي الذي حدّد خصائصه بالكلمات التالية:

“إن خادمات منزل فرنسا السياسيات يكنسن حمم الثورة بمكانس عتيقة ويتشاجرن الواحدة مع الأخرى وهن يؤدين عملهن”.

وفي هذه الأثناء بادر بونابرت إلى إزاحة وزير الحربية دوبول وشحنه بأقصى السرعة على الجزائر وتعيين الجنرال شرام وزيرًا للحربية مكانه. وفي 12 تشرين الثاني بعث إلى الجمعية الوطنية برسالة اميركية الإسهاب، مشحونة بالتفاصيل، عابقة بشذا النظام، راغبة في المصالحة، مذعنة للدستور تتناول كل شيء إجمالاً وأفرادًا ما عدا questions brulantes (القضايا الملحة. الناشر.) في الوقت الراهن. وكأنما بصورة عابرة أبدى ملاحظة مفادها أن التصرف في الجيش، وفق أحكام الدستور الصريحة، هو من شأن الرئيس وحده. واختتمت الرسالة بهذه الكلمات المهيبة.

“إن فرنسا تطالب، فيها كل شيء، بالسكينة… وبما أني وحدي مرتبط بقسم فسوف ألتزم الحدود الضيقة التي رسمها لي… وبقدر ما يتعلق الأمر بي، بوصفي منتخبًا من قبل الشعب وأدين له وحده بالسلطة، فإني سأنحني دائمًا لإرادته المعبر عنها بصورة شرعية. فإذا ما أستقر رأيكم في هذه الدورة على إعادة النظر في الدستور فسوف تتولى الجمعية التأسيسية تنظيم وضع السلطة التنفيذية. وإلا فإن الشعب سيعلن قراره على نحو مهيب في عام 1852. ولكن مهما كانت حلول المستقبل فدعونا نصل إلى تفاهم بحيث لا ندع مطلقًا للعاطفة أو المفاجأة أو العنف سبيلاً لتقرير مصير الأمة العظيمة… أن ما يشغل اهتمامي في الدرجة الأولى ليس هو من يحكم فرنسا في سنة 1852 بل كيف أستخدم الوقت الباقي تحت تصرفي بحيث تمر الفترة الانتقالية دون تهييج أو اضطراب. لقد فتحت قلبي لكم بإخلاص. وستجيبون على صراحتي بثقتكم وعلى مساعي الحميدة بتعاونكم والباقي على الله”.

إن لغة البرجوازية الموقرة، المنافقة في اعتدالها، الغثة في فضيلتها، لتكشف عن أعمق معانيها في فم أوتوقراطي جمعية العاشر من كانون الأول وبطل وليمتي سان – ماور وساتوري.

إن بورجرافيي حزب النظام لم يضللوا أنفسهم لحظة في شأن الثقة التي يستحقها فتح القلب هذا. أما الإيمان فقد طال عهد بشمهم منها، إذ كانوا يضمون بين صفوفهم محنكين وموهوبين في الحنث بالإيمان السياسية، ولكن لم يفتهم مع ذلك أن يسمعوا الفقرة المتعلقة بالجيش. فقد لاحظوا بانزعاج أن الرسالة في تعدادها المستفيض للقوانين التي شرعت مؤخرًا قد أغفلت أهم هذه القوانين جميعًا، وهو قانون الانتخاب، بصمت متعمد، بل إنها تركت انتخاب الرئيس سنة 1852، في حالة عدم إعادة النظر في الدستور، إلى الشعب. إن القانون الانتخابي كان كرة الرصاص التي قيدت بها أرجل حزب النظام فمنعته من المشي بله منعته من الاقتحام! ناهيك نأن بونابرت، بتسريحه الرسمي لجمعية العاشر من كانون الأول وبعزله وزير الحربية دوبول، قد قّرب بيديه أكباش الفداء على مذبح الوطن. لقد ثلم حدة الصدام المرتقب. وأخيرًا كان حزب النظام نفسه حريصًا، بدافع الجبن، على أن يتفادى أي اشتباك حاسم مع السلطة التنفيذية وأن يلطّفه ويطمسه. وخوفًا من أن يخسر انتصاراته ضد الثورة، سمح لمنافسه بأن يجني ثمارها. “أن فرنسا تطالب، قبل كل شيء، بالسكينة”. هذا ما صرخ به حزب النظام بوجه الثورة منذ شباط (فبراير) (سنة 1848. الناشر.). وهذا ما صرخت به رسالة بونابرت بوجه حزب النظام. “أن فرنسا تطالب، قبل كل شيء، بالسكينة”. أن بونابرت أتخذ تدابير تهدف إلى الاغتصاب ولكن حزب النظام يغدو مذنبًا في “تعكير السكينة” أذا أثار ضجيجًا حول هذه التدابير وفسرها تفسيرًا سوداويًا موسوسًا. أن مقانق ساتوري كانت هادئة كالفيران عندما لم يكن يتكلم عنها أحد. “أن فرنسا تطالب، قبل كل شيء، بالسكينة”. ولذا طالب بونابرت بأن يترك وشأنه في سلام وسكينة. وكان الحزب البرلماني يشله خوف مزدوج: خوف من أن يتسبب ثانية بتعكير ثوري للسكينة وخوف من أن يظهر هو نفسه بمظهر المحرض على تعكير السكينة في عيون طبقته ذاتها، في عيون البرجوازية. ولما كانت فرنسا تطالب بالسكينة قبل كل شيء فإن حزب النظام لم يجرؤ على أن يجيب “حربًا” بعد أن تكلم بونابرت في رسالته “سلامًا”. أما الجمهور الذي توقع مشاهد من الفضائح الكبرى لدى افتتاح الجمعية الوطنية فقد خابت توقعاته. فنواب المعارضة الذي طالبوا بعرض محاضر مناقشات اللجنة الدائمة حول حوادث تشرين الأول خذلتهم الأغلبية. وتجنبت الجمعية، من حيث المبدأ، جميع المناقشات التي كان ممكنًا أن تؤدي إلى أهاجة المشاعر. أن إجراءات الجمعية الوطنية خلال تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) 1850 كانت عديمة الأهمية.

وفي أواخر كانون الأول فقط، بدأت صدامات صغيرة حول عدد من صلاحيات البرلمان. وقد تفهت الحركة وانحصرت في مشاحنات صغيرة حول صلاحيات كلتا السلطتين منذ أن تخلصت البرجوازية من الصراع الطبقي للأوقات القريبة القادمة بإلغائها حق الاقتراع الشامل.

لقد أصدرت المحكمة حكمها بحق موغين، أحد النواب، بسبب ديونه، ورادًا على استفسار رئيس المحكمة، أعلن روييه، وزير العدلية، وجوب إصدار مذكرة بإلقاء القبض على المدين دون مزيد من الأخذ والرد. وهكذا زج بموغين في حبس المدينين. وثارت ثائرة الجمعية الوطنية عندما علمت بالاعتداء على حصانة النواب. ولم تكتف بإصدار الأمر بإطلاق سراحه في الحال بل إنها عملت على إحضاره بالقوة من كليشي في المساء ذاته بواسطة كاتبها. بيد أنها لكي تثبت إيمانها بقداسة الملكية الفردية، ومع الفكرة التي كانت تساورها بفتح ملجأ، إذا أقتضى الأمر، “للجبليين” الذين غدوا مزعجين، أعلنت أن حبس النواب بسبب الدين يمكن السماح به بعد الحصول على موافقة سابقة منها. ونسيت أن ترسم بأنه يمكن حبس الرئيس أيضًا بسبب الدين. لقد قضت على آخر مظهر من مظاهر الحصانة التي كانت تحيط بأعضاء هيئتها نفسها.

لقد أشرنا أعلاه إلى أن يون، مفوض الشرطة، قد أخبر عن تدبير فرع من فروع جمعية العاشر من كانون الأول لخطة اغتيال دوبان وشانغارنييه، بناء على إخبارية من شخص يدعى آلية. ونظرًا لهذا قدم الكويستور في الجلسة الأولى ذاتها اقتراحا بتشكيل شرطة خاصة بالبرلمان، تدفع مرتباتها من الميزانية الخاصة للجمعية الوطنية وتكون مستقلة استقلالا مطلقًا عن مدير الشرطة. وأحتج وزير الداخلية، باروش، على هذا الاعتداء على ميدان اختصاصه. بعد هذا، تمت مساومة بائسة بهذا الشأن أصبح راتب مفوض شرطة البرلمان بموجبها بدفع حقيقة من ميزانيته الخاصة ويعين ويعزل من قبل كويستور البرلمان ولكن بعد اتفاق سابق مع وزير الداخلية فحسب. وفي هذه الأثناء باشرت الحكومة بالملاحقات القضائية بحقّ آلية. وكأن من السهل هنا إظهار إخباريته بأنها خزعبلة وإظهار دوبان وشانغارنييه ويون والجمعية الوطنية بكاملها بمظهر مضحك، وذلك على لسان المدعي العام. وبعد هذا، يكتب الوزير باروش في 29 كانون الأول رسالة إلى دوبان يطالب فيها بعزل يون. ويقرر ديون الجمعية الوطنية بقاء يون في منصبه، بيد أن الجمعية الوطنية، وقد ذعرت من عنفها في قضية موغين وأعتادت أن تتلقي من السلطة التنفيذية ضربتين مقابل كل ضربة تجرأت على توجيهها إليها، لم تصادق على هذا القرار. وعزلت يون مكافأة له على ما أبداه من حماسة في الوظيفة وسلبت نفسها صلاحية برلمانية لا غنى عنها إزاء شخص لا يقرر ليلاً ما ينفذه نهارًا بل يقرر نهارًا وينفذ ليلاً.

لقد رأينا كيف أن الجمعية الوطنية في مناسبات جدية بارزة خلال شهري تشرين الثاني وكانون الأول قد تفادت أو رفضت الصراع مع السلطة التنفيذية. ونحن الآن نجدها مرغمة على مباشرته في أصغر المناسبات شأنًا. ففي قضية موغين تؤكد، من حيث المبدأ، حبس النواب بسبب الدين ولكنها تحتفظ بحق تطبيقه على النواب الذين تمقتهم فحسب، وتتشاجر حول هذا الامتياز الشائن مع وزير العدل. وبدلاً من أن تستفيد من نبأ أعداد مؤامرة القتل فتأمر بإجراء تحقيق في نشاط جمعية العاشر من كانون الأول وتكشف بذلك القناع نهائيًا عن بونابرت أمام فرنسا وأوروبا، بحيث يستحيل ستره بعد ذلك، وبحيث يبدو في صفته الحقيقية رئيسًا لحثالة البروليتاريا في باريس، حصرت الصراع في مشاجرة بينها وبين وزير الداخلية هي أيهما صاحب الصلاحية في تعيين مفوض شرطة وعزله. وهكذا نرى حزب النظام، خلال هذه الفترة بأسرها، قد أرغمه موقفه المبهم على تبديد صراعه مع السلطة التنفيذية وتحويله إلى هذر ولغو وتفتيته في مناوشات صغيرة حول حدود الصلاحيات ومماحكات صغيرة ونزاعات قانونية سفسطائية وخلافات على تحديد السلطات، وعلى جعل المسائل الشكلية الفارغة موضوعًا لنشاطه. إنه لا يجرؤ على الدخول في الصراع في اللحظة التي يكون فيها للصراع معنى من حيث المبدأ، عندما تكون السلطة التنفيذية قد فضحت نفسها حقًا وتكون قضية الجمعية الوطنية هي قضية الأمة. وهو إذ يفعل ذلك يكون قد أعطى الأمة الأوامر بأن تهاجم في حين إنه ليس له ما يخشاه أكثر من أن تتحرك الأمة. ولذا يرفض في مثل هذه المناسبات اقتراحات “الجبل” وينتقل إلى إجراءات دورية. وبعد ما أمتنع حزب النظام عن النضال الواسع النطاق، أخذت السلطة التنفيذية تتحين بهدوء الوقت الذي يمكن لها فيه أن تخوض هذا النضال ثانية في مناسبات صغيرة تافهة، أي عندما يكون لها فيه أن تخوض هذا النضال ثانية في مناسبات صغيرة تافهة، أي عندما يكون الأمر، كما يقال، ذا أهمية برلمانية محلية فحسب. وعندئذ ينفجر غضب حزب النظام المكبوت، عندئذ يزيح حزب النظام الستار عن الكواليس، عندئذ يكشف قناع الرئيس، عندئذ يعلن الجمهورية في خطر، ويكن عندئذ أيضًا تبدو غيرته سخيفة وتبدو مناسبة الصراع ذريعة ملؤها النفاق أو غير حرية مطلقًا بالصراع. وتصبح العاصفة البرلمانية عاصفة في فنجان، ويصبح الصراع مكيدة والنزاع فضيحة. وبينما تتأمل الطبقات الثورية مليًا بشماتة الإذلال الذي صارت إليه الجمعية الوطنية وذلك لأن حماستها لصلاحيات هذه الجمعية البرلمانية تعادل تمامًا حماسة الأخيرة للحريات العامة، لا تدرك البرجوازية خارج البرلمان كيف تقدر البرجوازية داخل البرلمان على إضاعة الوقت في مشاحنات صغيرة كهذه وتهديد السكينة بمثل هذه المنافسات الحقيرة مع الرئيس، وتنتابها البلبلة من إستراتيجية يعقد بموجبها الصلح في لحظة تتوقع فيها الدنيا كلها المعارك، ويبدأ بموجبها الهجوم في اللحظة التي تعتقد فيها الدنيا كلها أن الصلح قد عقد.

في العشرين من كانون الأول تقدم باسكال دوبرا باستجواب إلى وزير الداخلية بشأن يانصيب قضبان الذهب. أن هذا اليانصيب كان “ابنة الأيليزيوم” (7) وقد جلبه للدنيا بونابرت وأتباعه ووضعه مدير الشرطة كارلييه تحت حمايته الرسمية، رغم أن القانون الفرنسي يحرم جميع أنواع اليانصيب ما عدا اليانصيب الذي يخصص للأغراض الخيرية. فقد صدرت سبعة ملايين تذكرة يانصيب، ثمن التذكرة فرنك، يخصص ريعه في ظاهر الأمر لتسفير مشردي باريس إلى كاليفورنيا. فمن جهة كان للأحلام الذهبية أن تحل محل الأحلام الاشتراكية لبروليتاريا باريس وللأمل المغري في الفوز بالجائزة الأولى أن يحل محل الحق النظري في العمل. ومن الطبيعي أن عمال باريس لم يتعرفوا في بريق قضبان كاليفورنيا الذهبية على الفرنكات المتواضعة التي سحبها الإغواء من جيوبهم. وعلى العموم، كان هذا اليانصيب “نصبًا” صريحًا. أن المشردين الذي أرادوا فتح مناجم ذهب كاليفورنيا دون أن يزعجوا أنفسهم بترك باريس كانوا بونابرت نفسه وحاشيته المثقلة بالديون. فإن الملايين الثلاثة التي وافقت الجمعية الوطنية على اعتمادها قد بعزقت وكان لابد من إملاء صناديق المال الفارغة ثانية بطريقة أو بأخرى. وعبثًا أفتتح بونابرت اكتتابا وطنيًا لإنشاء ما يسمى Cités ouvrieres (حواضر العمال. الناشر.) وظهر هو نفسه على رأس القائمة بمبلغ كبير. أن البرجوازيين قساة القلوب انتظروه بارتياب حتى يسدد حصته، ولما لم يحدث هذا بطبيعة الحال، اندثرت المضاربة بالقصور الاشتراكية كفقاعات الصابون. وكان سحب قضبان الذهب أفضل. أن بونابرت وشركاه لم يكتفوا بأن يملئوا جيوبهم بجزء من دخل اليانصيب بقي من السبعة ملايين فرنك بعد حسم قيمة القضبان المعروضة في اليانصيب بل صنعوا تذاكر يانصيب مزورة، إذ أصدروا عشر وخمس عشرة بل وعشرين تذكرة تحمل ذات الرقم – وهي عملية مالية تنسجم مع روح جمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر)! إن الجمعية الوطنية لم تواجه هنا كان في وسعها أن تمسكه متلبسًا بفعلته، ليس خلافًا للدستور بل خلافًا لـCode pénal (قانون العقوبات. الناشر.). وإذا كانت الجمعية الوطنية قد أجابت على استجواب دوبرا بالانتقال إلى الإجراءات الدورية، فإن هذا لم يحدث لمجرد أن اقتراح جيراردين بأنه ينبغي أن تعلن “ارتياحها” قد ذكر حزب النظام بالفساد المنظم القائم بين صفوفه. أن البرجوازي، وفي الدرجة الأولى البرجوازي الذي تضخم فأصبح رجل دولة، يكمل لؤمه العملي بالإسراف النظري. وهو يصبح، بوصفه رجل دولة، شأن سلطة الدولة التي تواجهه، كائنًا أعلى لا يمكن محاربته إلا بشكل أعلى وأشد تكريسًا.

أن بونابرت الذي كان يتمتع بوصفه وليد البوهيميا وزعيمًا لحثالة البروليتاريا، بمزية على البرجوازي النذل من حيث أنه أستطاع أن يقود الصراع بوسائل سافلة رأي الآن، بعد أن قادته الجمعية نفسها بيدها بنجاح عبر مزالق الولائم العسكرية والاستعراضات وجمعية العاشر من كانون الأول وأخيرًا Code penal، أن اللحظة التي يستطيع فيها أن ينتقل من الدفاع الظاهري إلى الهجوم قد حانت. وقليلاً ما أزعجته الهزائم الصغيرة التي حلت في هذه الأثناء بوزير العدلية ووزير الحربية ووزير البحرية ووزيرة المالية والتي أعربت الجمعية الوطنية من خلالها عن استيائها المزمجر. فهو لم يكتف بأن يمنع الوزراء من أن يستقيلوا فيعترفوا بذلك بسيادة البرلمان على السلطة التنفيذية بل إنه أستطاع الآن أن يتم ما بدأه أثناء عطلة الجمعية الوطنية: أي فصل السلطة العسكرية عن البرلمان إذ أنه أقصى سانغازنييه.

نشرت صحيفة من صحف الايليزيه أمرًا يوميًا زعم إنه وجه في شهر أيار (مايو) إلى الفرقة العسكرية الأولى وأنه صدر بالتالي عن شانغارنييه، وفيه أوُصى الضباط بالا تأخذهم في حالة التمرد رأفة بالخونة في صفوفهم بل بأن يرموهم بالرصاص على الفور وأن يرفضوا مد الجمعية الوطنية بالجند، فيما لو استدعتهم. وفي 3 كانون الثاني (يناير) 1851 تلقت الوزراء استجوابا بشأن هذا الأمر. وتطلب الوزارة، من أجل إجراء تحقيق في هذه القضية، مهلة ثلاثة أشهر في أول الأمر، ثم أسبوعًا وأخيرًا أربعا وعشرين ساعة فحسب. وتصر الجمعية على تفسير فوري، وينهض شانغارنييه ويصرح بأنه لم يصدر أمرًا كهذا على الإطلاق ويضيف أنه سيبادر دائمًا إلى الأمثال لطلبات الجمعية الوطنية وأنها تستطيع في حالة حدوث اصطدام أن تعول عليه. وتستقبل الجمعية تصريحه بتهليل وتصفيق لا يوصف وتصدر قرارًا بالثقة فيه. أنها تتخلى عن السلطة وتصدر حكمًا بعجزها هي وبقدرة الجيش الكلية بوضع نفسها تحت الحماية الخاصة لجنرال. بيد أن الجنرال يخطئ عندما يضع تحت أمر البرلمان ضد بونابرت قوة حازها بمثابة أقطاع فقط من بونابرت نفسه، وعندما يتوقع، هو بدوره، أن يحميه هذا البرلمان، هذا اللائذ به الذي يحتاج إلى الحماية. بيد أن شانغارنييه يؤمن، على كل حال، بالقوة الغامضة التي أسبغتها البرجوازية عليه منذ 29 كانون الثاني 1849. إنه يعتبر نفسه السلطة الثالثة التي تقوم جنبًا على جنب مع سلطتي الدولة الأخريين. وهو يشارك سائل أبطال هذه الفترة، أو بالأحرى قديسيها، مصيرهم، وهم الذين تقوم عظمتهم، بوجه التحديد، على الفكرة العظيمة المتحيزة التي شيّعها عنهم حزبهم والذين ينكمشون إلى أشخاص عاديين حالما تدعوهم الظروف إلى القيام بالمعجزات. أن عدم الإيمان هو، بصورة عامة، العدو المميت لهؤلاء المحسوبين أبطالاً والقديسين الحقيقيين. ومن هنا ينشأ غضبهم الفاضل الجليل على هذا الفقر في الحماسة الذي يبديه المتندرون والساخرون.

في المساء نفسه يدعي الوزراء إلى قصر الايليزيه. ويصر بونابرت على عزل شانغازنييه ويرفض خمسة وزراء توقيع العزل. وتعلن “Moniteur” نشوء أزمة وزارية بينما تهدد صحف حزب النظام بتشكيل جيش برلماني تحت قيادة شانغارنييه. وقد كان لدى حزب النظام الحق الدستوري في اتخاذ هذه الخطوة. ولم يكن عليه إلا أن ينتخب شانغارنييه رئيسًا للجمعية الوطنية يستدعى العدد الذي يشاؤه من الجنود لحمايتها. وكان في وسعه أن يفعل ذلك باطمئنان تام لأن شانغارنييه كان ما يزال بالفعل على رأس الجيش والحرس الوطني في باريس وكان ينتظر فقط أن يستدعى هو والجيش لتقديم المساعدة. ولم تجرأ الصحف البونابرتية لغاية الآن حتى على مناقشة حق الجمعية الوطنية في استدعاء الجنود مباشرة، وهو تشكك قانوني لم يكن يبشر في تلك الظروف بأي حظ من النجاح. أما أن الجيش كان سيطيع أوامر الجمعية الوطنية فهو أمر محتمل كثيرًا إذا تذكر المرء أن بونابرت أضطر إلى أن يفتش باريس كلها مدة أسبوع لكي يجد جنرالين – باراغة ديليه وسان – جان دانجيلي – أعلنا استعدادهما لإضافة توقيعهما على أمر عزل شانغارنييه. أما أن حزب النظام كان سيجد في صفوفه نفسها وفي البرلمان العدد اللازم من الأصوات لإتخاذ قرار كهذه فهذا أكثر من مشكوك فيه لو أخذ المرء بالحسبان أنه أنفصل 286 نائيًا عن الحزب بعد أسبوع وأنه في شهر كانون الأول سنة 1851، في ساعة الفصل الأخيرة، كان “الجبل” يرفض اقتراحًا مماثلاً. ورغم هذا، ربما كان ما يزال في وسع البورجرافيين أن ينجحوا في دفع جمهرة حزبهم إلى بطولة الأختفاء خلف غابة من الحراب وإلى قبول خدمات جيش التحق بمعسكرهم. وبدلاً من هذا، توجه السادة البورجرافيون مساء 6 كانون الثاني إلى قصر الايليزية ليحملوا بونابرت، باستخدام الأساليب والحجج الدبلوماسية، على عدم اتخاذ قرار بإقالة شانغارنييه. وكلّ من تسعى لإقناعه فإنما تعترف بأنه سيّد الموقف. وفي 12 كانون الثاني عمد بونابرت، وقد بعثت هذه الخطوة التي أتخذها البورجرافيون في نفسه الاطمئنان، إلى تشكيل وزارة جديدة بقى فيها زعيمًا الوزارة القديمة، فولد وباروش. وأصبح سان – جان دانجيلي وزيرًا للحربية، ونشرت “Moniteur” مرسوم إقالة شانغارنييه وتوزيع وظيفتيه بين باراغه ديليه الذي أستلم فرقة الجيش الأولى، وبيرو الذي أستلم الحرس الوطني. وأُقيل “حصن المجتمع”، وبينما لم يتسبب هذا في سقوط أية أجرة من الأسطحة فإن أسعار البورصة قد ارتفعت بالمقابل.

أن حزب النظام، إذ صدّ الجيش الذي يضع نفسه في شخص شانغارنييه تحت تصرفه وتنازل عنه بذلك بصورة قطعية للرئيس، قد أثبت أن البرجوازية قد فقد القدرة على الحكم. ولم يعد هنالك وزارة برلمانية. وهو إذ فقد الآن بالفعل قبضته على الجيش والحرس الوطني فما هي وسائل القوة لديه التي يتمكن بها من أن يحتفظ في آن واحد بسلطة البرلمان المغتصبة على الشعب وبسلطته الدستورية ضد الرئيس؟ لا شيء. لم يبق له الآن إلا أن يلجأ إلى المبادئ العاجزة، إلى المبادئ التي فسرها هو نفسه دائمًا مجرد قواعد عامة يشير بها على الآخرين لكي يتمكن من أن يتصرف هو بحرية أكبر. أن عزل شانغارنييه وسقوط العسكرية بيدي بونابرت يختمان الجزء الأول من هذه الفترة التي نحن بصددها، فترة الصراع بين حزب النظام والسلطة التنفيذية. وقد أعلنت الحرب بين السلطتين الآن بصورة رسمية، وهي تخاض بصورة مكشوفة، ولكن بعد أن فقد حزب النظام السلاح والجند. وإذ غدت الجمعية الوطنية بلا وزارة ولا جيش ولا شعب ولا رأي عام، ولم تبق بعد إصدارها القانون الانتخابي للحادي والثلاثين من أيار (مايو) تمثل الأمة ذات السيادة، وإذ غدت بلا عيون ولا آذان ولا أسنان ولا أي شيء، تحولت تدريجيًا إلى برلمان فرنسي قديم (8) عليه أن يترك العمل للحكومة ويكتفي هو بهمهمة الاعتراضات Post festum (بعد العيد، أي بعد وقوع الحادث. الناشر.).

وأستقبل حزب النظام الوزارة الجديدة بعاصفة من السخط وإعادة الجنرال بيدو إلى الذهن اللطف الذي أبدته اللجنة الدائمة أثناء العطلة والاعتبار الزائد الذي أظهرته بالعدول عن نشر محاضر جلساتها. وأخذ وزير الداخلية بنفسه يصر الآن على نشر هذه المحاضر التي غدت في هذا الوقت بطبيعة الحال راكدة كمياه الخندق لا تكشف عن إيه حقائق جديدة وليس لها أدنى تأثير على الجمهور المتعب الضجر. وبناء على اقتراح ريمواز، عينت الجمعية الوطنية، بالاعتماد على جلسات لجانها، “لجنة الإجراءات فوق العادة”. أما باريس فلم تخرج في حياتها عن مجراها العادي إذ أن التجارة كانت في هذه اللحظة رائجة والمؤسسات الصناعية ناشطة وأسعار الحنطة منخفضة والمواد الغذائية فائضة وصناديق التوفير تتلقي يوميًا الودائع الجديدة. وتمخضت “الإجراءات فوق العادة” التي أعلن عنها البرلمان بكل تلك الضجة فولدت قرارًا في اليوم الثامن عشر من كانون الثاني بحجب الثقة عن الوزراء حتى دون أن يأتي للجنرال شانغارنييه ذكر. وقد أضطر حزب النظام إلى صياغة قراره بهذه الصورة لكي يؤمن أصوات الجمهوريين، ذلك لأن عزل شانغارنييه كان من بين جميع الإجراءات التي اتخذتها الوزارة هو الإجراء الوحيد الذي يوافق عليه الجمهوريون بينما لم يكن حزب النظام في الواقع في وضع يمكنه من شجب الأعمال الوزارية الأخرى إذ أنه هو الذي أملاها بنفسه على الوزارة.

أن قرار حجب الثقة الصادر في 18 كانون الثاني قد أتخذ بأربعمائة وخمسة عشر صوتًا مقابل مائتين وستة وثمانين، أي أنه لم يتخذ إلا بائتلاف الشرعيين والاورليانيين المتطرفين مع الجمهوريين الصرف و”الجبل”. فبيّن ذلك أن حزب النظام لم يفقد في نزاعاته مع بونابرت الوزارة وحدها ولا الجيش وحده بل فقد أيضًا أغلبيته البرلمانية المستقلة، وأن فريقًا من النواب قد أنفضوا عن معسكره بدافع الميل الأعمى إلى المساومة أو الخوف من الصراع أو الكلل أو الحرص العائلي على مرتبات الدولة القريبة إليهم العزيزة عليهم أو المضاربة على المناصب الوزارية التي تخلو (دويلون بارو) أو بدافع الأنانية الحقيرة التي تجعل البرجوازي العادي يجنح دائمًا إلى تضحية المصلحة العامة لطبقته لهذا الباعث الشخصي أو ذاك. ومنذ البداية لم يتشبث النواب البونابرتيون بحزب النظام إلا في الصراع ضد الثورة. ومنذ ذلك الحين عمد مونتالمبير، زعيم الحزب الكاثوليكي، إلى إلقاء نفوذه الشخصي في الكفة البونابرتيه لأنه يئس من قدرة الحزب البرلماني على الحياة. وأخيرًا أضطر زعيمًا هذا الحزب، الأورلياني تيير والشرعي بيرييه، إلى أن يعلنا نفسيهما جمهوريين بصورة مكشوفة وأن يعترفا بأن قلبيهما ملكيان ولكن رأسيهما جمهوريان وأن الجمهورية البرلمانية كانت الشكل الوحيد الممكن لحكم البرجوازية ككل. وهكذا، اضطرا على ملأ من الطبقة البرجوازية نفسها، إلى أن يصما مشروعات العودة التي واصلا العمل على تحقيقها بلا كلل من وراء ظهر البرلمان، بأنها ميكدة فيها من الخطر بقدر ما فيها من فراغ العقل.

أن قرار حجب الثقة الصادر في 18 كانون الثاني (يناير) قد أصاب الوزارة لا الرئيس. ولكن ليست الوزارة بل الرئيس هو الذي عزل شانغارنييه. أفلم يكن يجب أن يضع حزب النظام بونابرت نفسه موضع الاتهام؟ بسبب رغبات العودة التي لديه؟ ولكن الأخيرة كانت مجرد تكملة لرغباته هو بسبب مؤامرته المتصلة بالاستعراضات العسكرية وجمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر)؟ ولكنه دفن هذه الموضوعات منذ زمن طويل تحت جداول الأعمال البسيطة اليومية. بسبب عزل بطل 29 كانون الثاني و13 حزيران (يونيو)، الرجل الذي هدد في أيار 1850 بإشعال النار في أركان باريس الأربعة في حالة حدوث تمرد؟ ولكن حلفاءه من “الجبل” وكافينياك لم يسمحوا له حتى بأن يؤيد “حصن المجتمع” الساقط بوساطة شهادة رسمية بالعطف عليه. بل أن حزب النظام نفسه لم يستطع إنكار حق الرئيس الدستوري في عزل الجنرالات. أنه لم يتهيج إلا لأن الرئيس استخدام حقه الدستوري ضد البرلمان. ولكن ألم يستخدم حزب النظام نفسه باستمرار صلاحيته البرلمانية ضد الدستور، خصوصًا فيما يتعلق بإلغاء حق الاقتراع الشامل؟ ولذا لم يبق له غير أن يتمسك بدقة بالحدود البرلمانية. وبغير هذا الداء الغريب الذي استشرى منذ عام 1848 في طول القارة الأوروبية وعرضها، وهو داء البلاهة البرلمانية، والذي يشد المصابين به إلى عالم خيالي ويسلبهم كل عقل وكل ذكرى وكل فهم للعالم الخارجي الفظ – بغير هذه البلاهة البرلمان بإيديه، وكان لا بد له من أن يدمرها في صراعه من الطبقات الأخرى، وظل مع ذلّك يعتبر انتصاراته البرلمانية انتصارات ويعتقد أنه يصيب الرئيس بتوجيهه الضربات إلى وزرائه. وكل ما فعله هو أنه منح الرئيس الفرصة لإذلال الجمعية الوطنية من جديد في عيون الأمة. ففي العشرين من كانون الثاني أعلنت “Moniteur” قبول استقالة الوزارة بأسرها. وبذريعة أن حزبًا برلمانيًا واحدًا لم يعد يتمتع بالأغلبية، كما أثبت ذلك تصويت 18 كانون الثاني، هذه الثمرة لائتلاف “الجبل” والملكيين، وريثما يتسنى تشكيل أغلبية جديدة، عمد بونابرت إلى تعيين ما يسمى بوزارة انتقالية لم يكن عضو واحد من أعضائها عضوًا في البرلمان بل كانوا جميعًا أشخاصًا مغمورين تمامًا ولا شأن لهم، وزارة مجرد كتبة ونساخ. وأصبح في وسع حزب النظام الآن أن يبدد قواه في اللعب مع هذه الدمى. أما السلطة التنفيذية فلم تعد تعتقد بأن الأمر يستحق منها أن تكون ممثلة تمثيلاً جديًا في الجمعية الوطنية. وكلما كان وزراء بونابرت مجرد دمى، كلما ركز هو السلطة التنفيذية بأسرها في شخصه وأتسع المجال أمامه لاستغلالها لغاياته الخاصة.

وبالائتلاف مع “الجبل”، ثأر حزب النظام لنفسه برفض منح الرئيس مبلغ مليون وثمانمائة ألف فرنك، وهو المبلغ الذي كان رئيس جمعية العاشر من كانون الأول قد أرغم صنائعه الوزراء على أن يقترحوه. وقد تقرّرت المسألة في هذه المرة بأغلبية مائة صوت وصوتين فقط، أي أن سبعة وعشرين صوتًا جديدًا أنفضت منذ 18 كانون الثاني (يناير) عن حزب النظام؛ أن انحلال حزب النظام كان يجري قدمًا. وفي الوقت ذاته، ولكي لا يكون هنالك مجال للالتباس لحظة واحدة بشأن معنى ائتلافه مع “الجبل”، أنف حتى أن يبدأ المناقشات حول اقتراح موقع من مائة وتسعة وثمانين عضوًا من “الجبل” يدعو إلى إصدار عفو عام من المجرمين السياسيين. كان يكفي وزير الداخلية، وهو شخص يدعي فايس، أن يعلن أن السكينة ظاهرية فحسب وأن تحريضًا قويًا سريًا ينتشر في البلاد وأنه يجري تنظيم جمعيات سرية في كل مكان وأن الصحف الديموقراطية تستعد للظهور ثانية وأن التقارير الواردة من المقاطعات لا تبشر بالخير وأن لاجئي جنيف يرأسون مؤامرة تمتد خيوطها عن طريق ليون إلى سائر أنحاء جنوبي فرنسا وأن فرنسا على حافة أزمة صناعية وتجارية وأن أصحاب المعامل في مدينة روبية قد خفضوا ساعات العمل وأن مساجين بيل – أيل (9) قد ثاروا – كان يكفي فايس هذا أن يستحضر الشبح الأحمر حتى يرفض حزب النظام دون مناقشة اقتراحًا كان من شأنه أن يكسب الجمعية الوطنية على وجه التحقيق شعبية عظيمة ويرمي بونابرت بين ذراعيها من جديد. وكان ينبغي عليه، بدلاً من أن يدع السلطة التنفيذية ترهبه باحتمال نشوب اضطرابات جديدة، أن يمنح الصراع الطبقي بالأحرى بعض المجال حتى يبقى السلطة التنفيذية في حالة اعتماد عليه. بيد أنه لم يكن يشعر بأنه أهل لمهمة اللعب بالنار.

وفي غضون ذلك عاشت ما تدعي بالوزارة الانتقالية معيشتها الخاملة حتى منتصف نيسان (أبريل). وقد أنهك بونابرت الجمعية الوطنية وخادعها بمناورات وزارية جديدة مستمرة. فتارة كان يبدو عليه أنه يريد تشكيل وزارة جمهورية تضم لامارتين وبيّو وطورًا وزارة برلمانية تضم أوديلون بارو، الذي لا بد أن يكون أسمه حاضرًا أبدًا عندما يحتاج الأمر إلى مغفل، ثم وزارة شرعية تضم فاتيمينيل وبنوا دازي، ثم تارة أخرى وزارة أورليانية تضم مالفيل. وبينما أبقى بونابرت على هذا الوجه التكتلات المختلفة من حزب النظام في حالة توتر الواحدة ضد الأخرى وأفزعها ككل باحتمال تشكيل وزارة جمهورية وما يستتبعه ذلك حتمًا من إعادة حق الاقتراع الشامل، كان يوحي إلى البرجوازية في الوقت نفسه الاقتناع بأن عدم تسامح التكتلات الملكية هو الذي يحبط جهوده الشريفة لتشكيل وزارة برلمانية. أما البرجوازية فكان يعلو صراخها من أجل “حكومة قوية” وتجد أن ترك فرنسا “دون إدارة” يصبح أمرًا أقل أحتمالاً للغفران بقدر ما كان يبدو أن الأزمة التجارية العامة الزاحفة أخذت تكسب الاشتراكية أنصارًا جددًا في المدن. تمامًا كما فعل الهبوط المخرب في سعر القمح في الريف. وأزداد كساد التجارة يومًا بعد يوم كما زادت الأيدي العاطلة بصورة ملموسة وبات عشرة آلاف عامل، على الأقل، محرومين من الخبر في باريس وتعطل عدد لا يحصى من المعامل في روان ومولهوس (مولوز. الناشر.) وليون وروبيه وتوركوين وسانت – اتيين والبيف، الخ.. وفي هذه الظروف أستطاع بونابرت أن يجترئ في 11 نيسان (أبريل) على إعادة وزارة 18 كانون الثاني (يناير): السادة وييه وفولد وباروش، الخ.، أضيف إليهم المسيو ليون فوشيه الذي كانت الجمعية التأسيسية في أيامها الأخيرة قد وصمته بإجماع الأصوات، باستثناء خمسة أصوات أدلى بها الوزراء، بقرار حجب لإذاعة برقيات كاذبة. وهكذا، ما أحرزت الجمعية الوطنية انتصارها على وزارة 18 كانون الثاني وما تصارعت مع بونابرت ثلاثة أشهر إلا لتمكن فولد وباروش من إدخال المتزمت فوشيه في 11 نيسان شخصًا ثالثًا في حلفهما الوزاري.

في تشرين الثاني (نوفمبر) 1849 أكتفي بونابرت بوزارة غير برلمانية وفي كانون الثاني 1851 اكتفى بوزارة خارجة عن البرلمان وفي 11 نيسان أنس من نفسه القوة بحيث يشكل وزارة معادية للبرلمان كانت تجمع في ذاتها بانسجام قرارات حجب الثقة التي أصدرتها الجمعيتان التأسيسية والتشريعية، الجمهورية والملكية. وقد كان هذا التدرج في الوزارات هو مقياس الحرارة الذي كان البرلمان يستطيع بواسطته أن يقيس انخفاض حرارة حياته هو. وما أن أشرف شهر نيسان على نهايته حتى كانت الأخيرة قد هبطت إلى حد استطاع معه برسنييه أن يحث شغارنييه، في مقابلة شخصية، على انضمام إلى معسكر الرئيس وأكد له أن بونابرت يعتبر أن نفوذ الجمعية الوطنية قد قضي عليه تمامًا وأنه تم أعداد المنشور الذي سيذاع بعد Coup d’état، الذي كان ماثلاً في الذهن بصورة واضحة ولكنه تأجل بفعل الصدفة مرة أخرى. وقد أبلغ شانغارنييه زعماء حزب النظام بحكم الموت هذا. ولكن من ذا الذي يظن عضات البق مميتة؟ وما كان في وسع البرلمان، وهو العاجز المفكك الذي دب فيه الموت والذي يوشك أن يلفظ نفسه الأخير، أن يتغلب على نفسه ليرى في مبارزته مع الرئيس المسخ لجمعية العاشر من كانون الأول شيئًا غير مبارزة مع بقة. ولكن بونابرت أجاب حزب النظام بمثل ما أجاب اجيسلاوس الملك أجيس: “أبدو لعينيك نملة ولكني سأكون ذات يوم أسدا”(10) .




الهوامش

(1) “La Presse” (مونيتور)، اسم موجز للجريدة اليومية الفرنسية “Le Moniteur universel” (“البشير العام”)، لسان حال الحكومة الرسمي. صدرت الجريدة بهذا الاسم في باريس من عام 1789 حتى عام 1869. – ص 83.

(2) المقصود هنا المحاولتان اللتان قام بهما لويس بونابرت في عهد ملكية تموز (يوليو) لإجراء انقلاب بواسطة تمرد عسكري. في 30 أيلول (سبتمبر) 1836 أفلح بمساعدة بعض الضباط ذوي الميول البونابرتية في استنهاض فوجين من المدفعية في حامية ستراسبورغ، ولكن بعد بضع ساعات، تم نزع سلاح المتمردين. وأعتقل لويس بونابرت نفسه ونفي إلى أميركا. وفي 6 آب (أغسطس) 1840، أستغل بعض الانتعاش الذي دب في الميول البونابرتية في فرنسا فنزل مع حفنة من المتآمرين في بولون وحاول استثارة تمرد بين رجال الحامية المحلية. وقد انتهت هذه المحاولة أيضًا بالإخفاق التام. وحكم على بونابرت بالسجن المؤبد، ولكنه فر من السجن في عام 1846 إلى بريطانيا – ص 85.

(3) نك بوتوم، شخصية من مسرحية شكسبير الهزلية “حلم ليلة صيف”. ويقصد ماركس هنا المشهد الثاني من الفصل الأول – ص 85.

(4) شوفتيرله وشبيغلبرغ – شخصيتان من مسرحية شيلر “قطاع الطرق”، نموذجان عن اللصوص والقتلة الخالين من كل ذرة من الأخلاق. – ص 86.

(5) المقصود هنا الأسطورة اليونانية عن زحف إله الخمر باخوس (ديونيزوس) إلى الهند. – ص 87.

(6) يقصد ماركس الجرائد ذات الاتجاه البونابرتي. والتسمية مأخوذة من قصر الايليزية، مقر لويس بونابرت في باريس، زمن رئاسته. – ص 88.

(7) يلجأ ماركس هنا إلى تلاعب بكلام بيت من قصيدة شيلر “الفرحة” وفيها ينشد الشاعر الفرحة – “ابنة الايليزيون” أو ميادين الايليزية (وهي مرادف الفردوس في آثار المؤلفين الأقدمين). وميدان الايليزية أسم جادة في باريس كان فيها قصر لويس بونابرت – ص 95.

(8) البرلمان، مؤسسات قضائية عليا في فرنسا قبل الثورة البرجوازية في أواخر القرن الثامن عشر. كانت البرلمان موجودة في جملة من مدن فرنسا. وكان أهمها شأنًا برلمان باريس الذي كان يسجل الأوامر الملكية والذي كان يملك ما يسمى حق الإشارة أي حق الاحتجاج على الأوامر التي لا تتطابق مع عادات البلاد وقوانينها. ولكن معارضة البرلمان كانت محرومة بين كل قوة فعلية لأن حضور الملك بشخصه في الجلسات كان يجعل تسجيل الأوامر الزاميا – ص 100.

(9) بيل – ايل، جزيرة في خليج بيكاو. في أعوام 1849 – 1857، كانت مكانًا لحبس السجناء السياسيين. وفيها أعتقل مثلاً العمال ممن اشتركوا في انتفاضة حزيران (يونيو) 1848 في باريس – ص 104.

(10) يستشهد ماركس هنا بحادثة منقولة بتصرف، رواها الكاتب القديم أتينه (القرنان الثاني والثالث بعد الميلاد) في كتابه “أحاديث العلماء حول المائدة” (“Deipnosophistae”). فقد قال الفرعون المصري تاخوس، ملمحًا إلى صغر قامة أجيسلاس، ملك أسبارطه، الذي جاء بجنوده لنجدته: “تمخض الجبل. فخاف زوس. ولكن الجبل ولد فأرة”. فأجابه أجيسلاس: “أنا أبدو لعينيك فأرة، ولكن سيأتي يوم أبدو فيه لعينيك أسدًا”. – ص107.


أرشيف ماركس وانجلز