برنامج الأخوية الأممية


الكاتب:ميخائيل باكونين (1814-1876)
كتب سنة: 1869
المصدر: بوكانين حول الفوضوية 1971 (ترجمة Sam Dolgoff )
ترجمة ونسخ: مازن كم الماز (يوليو 2006)
مصدر الترجمة
: برنامج الأخوية الأممية بالقسم الانجليزي


تشير كل الدلائل أن "الأخوية الأممية" السرية، المسماة أيضا "التحالف السري" قد تم حلها رسميا في أوائل 1869. ردا على اتهامات المجلس العام للأممية أنكر كلا من باكونين وغيلوم وجودها. من المؤكد أنه كان هناك مجموعة غير رسمية من أنصار أفكار باكونين ولكن، كما يقول غيلوم، كمنظمة رسمية، فإن (الأخوية الأممية) "وجدت فقط نظريا في دماغ باكونين كحلم أطلق له العنان بابتهاج...". لكن هذا لا يقلل من أهمية الأفكار التي صيغت في هذا البرنامج التي كتبها باكونين.

 

فيما لا يغطي البرنامج كل المواضيع المناقشة في الإنجيل الثوري*، فهو يحتوي صياغة أكثر تركيزا وتطورا لأفكار باكونين عن الإستراتيجية الثورية، عن الاستيلاء على ملكية الدولة والكنيسة والملكية الخاصة، وتحويلها إلى ملكية جماعية (تعاونية) لجمعيات عمال الصناعة والزراعة المتحدين، الثقة بالقدرة الخلاقة للجماهير، العنف والإرهاب الثوريين، الثورة عبر دولة "اشتراكية" مركزية، وفوق كل شيء، مهام حركة الطليعة التحررية (الأخوية الأممية) في الثورة الاجتماعية.


ترغب منظمة الأخوية الأممية في ثورة ستكون في نفس الوقت عالمية، اجتماعية، فلسفية واقتصادية، بحيث لا يبقى أي حجر في مكانه، أولا في كل أوروبا، ومن ثم في بقية العالم، لتغيير النظام الحالي للأشياء الذي يقوم على الملكية، الاستغلال، الهيمنة وكل مبادئ السلطة، سواء أكانت دينية، ميتافيزيقية، عقيدية على الطريقة البرجوازية أو حتى ثورية على الطريقة الياكوبية. داعين إلى السلام للعمال والحرية للجميع، نريد أن نهدم كل الدول وكل الكنائس، وكل مؤسساتها وقوانينها السياسية، المالية، القانونية، البوليسية، التعليمية، الاقتصادية والاجتماعية، بحيث أن كل تلك الملايين من الكائنات البشرية البائسة، المخدوعة، المستعبدة، المعذبة، المستغلة، سوف تتحرر من كل الموجهين والمحسنين الرسميين وغير الرسميين – سواء كانوا مؤسسات أو أفراد – وفي النفس الأخير إلى حرية كاملة.

مقتنعون أن الشر الفردي والاجتماعي يكمن بشكل أقل بكثير في الأفراد منه في تنظيم الأشياء المادية وفي الظروف الاجتماعية، فنحن سنكون إنسانيين في أفعالنا في سبيل العدالة كما بسبب اعتبارات عملية، وأننا سندمر بدون شفقة كل ما يعترض طريقنا بدون تعريض الثورة للخطر. إننا ننكر إرادة المجتمع الحرة وحقه المزعوم في العقاب. العدل ذاته مأخوذ بأكثر معانيه إنسانية وأوسعها ليس إلا فكرة وبالتالي يمكن القول أنه ليس عقيدة مطلقة، إنه يطرح المشكلة الاجتماعية ولكنه لا يفكر للخروج منه، إنه يدل فحسب على الطريق الوحيدة الممكنة لانعتاق البشرية، وذلك بأنسنة المجتمع بالحرية والمساواة. الجواب الايجابي يحرز فقط بتنظيم عقلاني أكثر فأكثر للمجتمع. هذا الحل، المطلوب جد، مثلنا الأعلى للجميع، هو الحرية، الفضيلة، الذكاء والسعادة للجميع عبر تضامن الكل: الأخوية الإنسانية باختصار.

كل فرد إنساني هو الناتج الإلزامي للبيئة الطبيعية والاجتماعية التي يولد فيه، والتي يبقى خاضعا لتأثيرها عندما يتطور. الأسباب الثلاثة الكبرى لانعدام الأخلاق الإنساني هي: عدم المساواة السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، الجهل ينشأ بصورة طبيعية من هذا كله، والنتيجة الضرورية لهذا هو العبودية.

حيث أن النظام الاجتماعي هو دوما وفي كل مكان السبب الوحيد للجرائم التي يرتكبها الأشخاص، فإن معاقبة المجتمع للمجرمين الذين لا يمكن أن يكونوا مذنبين هو عمل نفاق أو سخف واضح. إن نظرية الذنب والعقاب هي نتيجة للاهوت، الذي هو جمع السخافة مع النفاق الديني. الشيء الوحيد الصحيح الذي يمكن أن يعطى للمجتمع في حالته الانتقالية الراهنة هو الحق الطبيعي للقتل في الدفاع عن النفس ضد المجرمين الذي أوجدهم هو نفسه. ولكن ليس الحق بالحكم عليهم وإدانتهم. هذا لا يمكن، عند الحديث على نحو صارم، أن يكون صحيح، يمكن أن يكون فقط طبيعي، مؤلم، ولكنه فعل حتمي، في نفسه دلالة وحصيلة لغباء وعقم المجتمع المعاصر. كلما استخدم المجتمع أقل ما يمكن منها كلما كان أقرب إلى انعتاقه الفعلي. كل الثوريين، المضطًهدين، المعذبين وضحايا النظام الاجتماعي القائم، المستًغلين من كل الأصناف هم مذنبون كالمجرمين الذين خرجوا من صفوف الجماهير، مثلهم، فهم فاعلون للشرور ليسوا مذنبين، باعتبارهم أيضا نواتج إلزامية للنظام الاجتماعي القائم. ليس من المستغرب إذا ما قام الناس المتمردون بقتل عدد كبير منهم أولا. سيكون هذا سوء حظ، لا يمكن تجنبه كالخراب الذي تسببه عاصفة مفاجئة، ومن ثم تنتهي بسرعة، لكن هذا الفعل الطبيعي لن يكون أخلاقيا ولا حتى مفيدا.

لدى التاريخ الكثير ليعلمنا في هذه القضية. إن المقصلة المفزعة لعام 1793 التي لا يمكن أن تعاب لكونها كسولة أو بطيئة، وبالرغم من ذلك لم تنجح في تدمير الأرستقراطية الفرنسية. تم هز طبقة النبلاء بالفعل حتى جذوره، بالرغم من أنها لم تزال نهائي، ولكن لم يكن هذا من فعل المقصلة، لقد أنجز ذلك بمصادرة أملاكها. عموم، يمكننا القول أن المذبحة لم تكن أبدا وسيلة فعالة للقضاء على الأحزاب السياسية، وقد ثبت أنها غير فعالة خاصة ضد الطبقات الموسرة، حيث أن القوة تكمن ليس في الرجال أنفسهم بل في الظروف التي يخلقها تنظيم البضائع المادية للرجال ذوي الحظوة، وهو مؤسسة الدولة وأساسها الطبيعي: الملكية الفردية.

لذلك للقيام بثورة ناجحة، من الضروري مهاجمة هذه الظروف والبضائع المادية، تدمير الدولة والملكية. عندها لن يكون من الضروري تدمير الأشخاص وأن يحكم بالتعرض لرد الفعل الأكيد والحتمي الذي لم تمر أية مجزرة دون أن تحدثه في أي مجتمع.

ليس من المفاجئ أن الياكوبيين والبلانكيين أصبحوا اشتراكيين بالضرورة وليس بالإقناع، الذين يرون الاشتراكية كوسيلة وليست كهدف للثورة، حيث أنهم يريدون الديكتاتورية ومركزة الدولة، آملين أن الدولة ستقودهم بالضرورة إلى إعادة الملكية – حلم ثورة دموية ضد الأشخاص، لأنهم لا يريدون ثورة ضد الملكية. لكن ثورة دموية كهذه ، تقوم على إنشاء دولة ثورية مركزية قوية سوف تؤدي حتما إلى ديكتاتورية عسكرية وسيد جديد. من هنا فإن انتصار الياكوبيين والبلانكيين سيكون موتا للثورة.

إننا أعداء طبيعيون لهكذا ثوريين – سواء أكانوا ديكتاتوريي، منظمي أو القيمين على الثورة – الذين حتى قبل تدمير الدول الملكية المطلقة، الأرستقراطية والبرجوازية الحالية يحلمون بإنشاء دول ثورية جديدة، ممركزة بالكامل، حتى أنها أكثر مركزية من الدول التي نملك الآن. هؤلاء الرجال معتادون جدا على النظام المشكل من السلطة، ويشعرون بخوف شديد مما يتبادى لهم فوضى لكنه ببساطة التعبير الصادق والطبيعي عن حياة الناس، حتى أنه قبل ظهور فوضى جيدة صحية تنتج عن الثورة التي يحلمون بكبحها بفعل بعض السلطة التي ستكون ثورية بالاسم فقط ، وستكون فقط رجعية جديدة ذلك بأنها سوف تحكم على الجماهير بأن تحكم بالمراسيم، إلى الإذعان، الجمود، الموت وبكلمات أخرى للعبودية والاستغلال من قبل أرستقراطية جديدة مدعية للثورة.

ما نعنيه بالثورة هو انفجار ما يسمى اليوم بـ "انفعالات الشر" والإطاحة بما يسمى النظام العام.

إننا لا نخشى الفوضى، إننا نستحضرها. أننا مقتنعون أن الفوضى هي التعبير الغير مقيد للحياة المتحررة للشعب، يجب أن يصدر النظام الاجتماعي الجديد عن الحرية، المساواة، وقوى الثورة نفسها ضد الرجعية. لا يوجد شك أن هذه الحياة الجديدة – الثورة الشعبية – سوف تنظم نفسها في وقت ملائم، ولكنها ستخلق تنظيمها الثوري من الأسفل إلى الأعلى، من المحيط إلى المركز طبقا لمبادئ الحرية، وليس من الأعلى إلى الأسفل أو من المركز إلى المحيط حسب عادة كل سلطة. يهمنا قليلا فقط أن تسمى هذه السلطة كنيسة، ملكية مطلقة، دولة دستورية، جمهورية برجوازية ، أو حتى ديكتاتورية ثورية.إننا نمقتها ونرفضها كلها بالتساوي على أنها المصادر التي لا تنضب للاستغلال والمركزية.

الثورة كما نفهمها عليها أن تدمر الدولة وكل مؤسساته، بشكل جذري وكامل، منذ يومها الأول. النتائج الطبيعية والضرورية لهذا التدمير ستكون:

أ- إفلاس الدولة

ب- التوقف عن دفع الديون الخاصة من خلال تدخل الدولة، تاركا لكل مدين الحق في دفع ديونه إذا رغب بذلك

ج- التوقف عن دفع كل الضرائب وجباية أية ضرائب، مباشرة أو غير مباشرة

د- حل الأسلحة، النظام القضائي، البيروقراطية، البوليس والإكليروس

هـ- إلغاء العدالة الرسمية، تعطيل كل ما يسمى قضائيا بقانون، وتنفيذ هذه القوانين، وبالنتيجة، إبطال وحرق كل حقوق الملكية، صكوك التوريث، صكوك البيع والمنح، لكل القضاي، بكلمة واحدة، كل الشريط الأحمر المدني والقانوني، في كل مكان وفي كل الأشياء، تستبدل الحقيقة الثورية الحق الذي تعطيه وتضمنه الدولة

و- مصادرة كل الرأسمال الإنتاجي ووسائل الإنتاج لصالح جمعيات العمال، التي ستستخدمها في الإنتاج بشكل جماعي ( تعاوني)

ز- مصادرة كل الأملاك التي تملكها الكنيسة والدولة بالإضافة للمعادن النفيسة المملوكة من الأفراد، لصالح اتحاد جمعيات العمال، التي ستؤلف الكوميون ( في مقابل البضائع التي ستصادرها الكوميون فإنها ستوفر ضروريات الحياة التامة لكل الأفراد الذين فقدوها ويمكنهم لاحقا أن يكسبوا أكثر بعملهم الشخصي إذا استطاعوا وإذا رغبوا )

ح- لغرض إنجاز تنظيم الكوميون الثوري من متاريس دائمة، ومكتب مجلس الكوميون الثوري بانتداب ممثل أو اثنين لكل متراس، واحد لكل شارع أو حي، سوف يمنحون ممثليهم السلطة لاتخاذ القرارات، مسئولين دوم، ودوما يحوزون على تفويض صريح. مجلس الكوميون المنظم هكذا يمكنه اختيار، من بين أعضائه، لجان تنفيذية، واحدة لكل شعبة للإدارة الثورية للكوميون

ط- إعلان العاصمة، المتمردة والمنظمة على شكل الكوميون، بما مقتضاه، أنه بتدمير الدولة الموجهة، التسلطية، التي تمتلك الحق بفعل ذلك، والتي تم استعبادها تماما كبقية المراكز، لذلك فهي تتخلى عن الحق أو أية مطالبة بحكم الأقاليم

ي- الطلب من كل المقاطعات، الكوميونات، والجمعيات أن تحرر كل شيء وتحذو حذو العاصمة: أولا أن تنظم أنفسها على أساس ثوري، ثم أن تفوض مندوبين عنه، وهم أيضا ممنوحين السلطات اللازمة، مسئولين ومعهم تفويض صريح إلى مكان اجتماع معين مسبقا لغرض إنشاء إتحاد للجمعيات، الكوميونات والأقاليم التي تمردت باسم ذات المبادئ، ولغاية تنظيم قوة ثورية قادرة على هزيمة الرجعية. لن يجري إرسال المفوضين الثوريين إلى القتال والأوسمة تزين صدورهم، بل سيرسل المحرضون الثوريون إلى كل الأقاليم والكوميونات، خاصة إلى الفلاحين، الذين لا يمكن أن يثاروا إلى التمرد بواسطة مبادئ أو مراسيم ديكتاتورية ولكن فقط بالحقيقة الثورية نفسه، وذلك بالنتائج الحتمية للزوال التام للحياة القضائية الرسمية للدولة في كل الكوميونات. أيضا بزوال الدولة الوطنية بمعنى أن أية دولة أجنبية، مقاطعة، كوميون، جمعية أو حتى فرد معزول ثار باسم ذات المبادئ سوف يستقبل في الاتحاد الثوري بغض النظر عن حدود الدولة الحالية، بالرغم من أنهم قد ينتمون إلى منظومات سياسية أو وطنية أخرى، أما مقاطعاتهم، كوميوناتهم، جمعياتهم أو الأفراد الذين يدعمون الرجعية فسيتم استبعادهم. عبر توسيع وتنظيم الثورة لأجل الدفاع المشترك بين البلاد الثائرة فإن عالمية الثورة، المؤسسة على إلغاء الحدود وعلى أنقاض الدول سوف تنتصر.لا يمكن لأية ثورة سياسية أو وطنية أن تنتصر بدون تحولها إلى ثورة اجتماعية، وما لم تتحول الثورة الوطنية، بالتحديد بسبب طابعها الاشتراكي الراديكالي والذي هو هدم الدولة، فلن تصبح ثورة عالمية. بما أن الثورة في كل مكان لا تتحقق إلا بفضل الناس، وحيث أن توجهها الرئيسي يجب أن يرتكز على الناس، المنظمين في اتحاد طوعي لجمعيات زراعية وعمالية، فإن الدولة الثورية الجديدة، المنظمة من الأسفل إلى الأعلى من قبل المندوبين الثوريين الذين يمثلون البلدان الثائرة باسم ذات الأهداف، بغض النظر عن الحدود السابقة والاختلافات القومية، وستشكل إدارة الخدمات العامة هدفها الرئيسي وليس حكم الناس. إنها ستؤلف الحزب الجديد، تحالف الثورة العالمية، في مواجهة تحالف الرجعية.

هذا التحالف الثوري يستثني أية أفكار عن الديكتاتورية أو عن السلطة الحاكمة والموجهة. إلا أنه من الضروري لإقامة هذا التحالف الثوري ولانتصار الثورة على الرجعية أن وحدة الأفكار والأفعال الثورية تجد جسدا وسط الفوضى العامة والذي سيكون حياة وقوة الثورة. هذا الجسم يجب أن يكون المنظمة السرية والعالمية للأخوة الأممين.

تجد هذه المنظمة أصولها في الإيمان الراسخ بأن الثورات لا يصنعها الأفراد أبدا أو حتى من فعل الجمعيات السرية. إنها تصنع نفسه، تصنعها قوة الظروف، حركة الحقائق والأحداث. إنها تخضع لتحضير طويل في الوعي العفوي العميق للجماهير، ومن ثم تنفجر مندلعة غالبا من أسباب هامشية. كل ما تفعله هذه الجمعية جيدة التنظيم هو أن، أولا تساعد على ولادة الثورة بنشرها بين الجماهير الأفكار التي تعبر عن غرائزه، وأن تنظم، ليس جيش الثورة – فالناس وحدهم دوما عليهم أن يكونوا هذا الجيش – ولكن مفرزة من هيئة الأركان الثورية، المؤلفة من أشخاص أذكياء نشيطين ومخلصين، أصدقاء حقيقيين للشعب فوق كل شيء، رجال ليسوا بمزهوين أو طموحين، ولكنهم قادرين على أن يخدموا كوسطاء بين الفكرة الثورية وغرائز الشعب.

ليست هناك حاجة لأعداد كبيرة من هؤلاء الرجال. فمائة ثوري، متحالفين بقوة وبجد، سيفون بالغرض للمنظمة الأممية لعموم أوروبا. مائتان أو ثلاثمائة من الثوريين سيكفون للمنظمة لأكبر البلدان.


(*) الإنجيل الثوري Revolutionary catechism: النمط السائد في أواسط القرن التاسع عشر لعرض الأفكار الثورية في قالب أسئلة وأجوبة.