اسم الكتاب كاملا: نتائج وتوقعات
كتبه: ليون
تروتسكي سنة 1905.
نشر أول مرة: سنة 1906 في سانت بيترسبورغ St.
Petersburg بعيد قيام ثورة العمال الأولى 1905 في روسيا
التحويل الرقمي: جريدة المناضل-ة (مارس
2005)
التحرير الرقمي: علي بطحة
إن الماركسية قد حوّلت الاشتراكية إلى علم، غير أن هذا لم يمنع بعض “الماركسيين” من تحويل الماركسية إلى مذهب طوباوي.
لقد عرض روجكوف، في معرض رده على البرمجة الاشتراكية والتعاونية، “الشروط المسبقة الضرورية للمجتمع المقبل كما أرساها ماركس” فطرح هذا السؤال: “هل توفرت حتى الآن الشروط المسبقة المادية والموضوعية التي تتكون من التطور التقني الذي يضعف دافع الكسب الفردي والانشغال بالنقد(؟) والمجهود والمبادرة والمجازفة الفردية ويحد منها، والذي يجعل بالتالي من مسألة الإنتاج الاجتماعي مسألة من المرتبة الأولى؟ إن مثل هذا المستوى من التقنية يرتبط ارتباطا صميما بسيطرة الإنتاج الكبير شبه التام على الجميع(؟) فروع الاقتصاد. فهل بلغنا هذا الطور؟ حتى الشروط المسبقة الذاتية والنفسية ما تزال غير متوفرة مثل نمو الوعي الطبقي لدى البروليتاريا إلى المستوى الذي يحقق الوحدة الروحية بين غالبية الشعب الساحقة”. ويستطرد روجكوف قائلا: “إننا نعلم بوجود جمعيات إنتاجية مثل معامل الزجاج الفرنسية الشهيرة في “آلبي” وبعدة جمعيات زراعية أخرى في فرنسا، ومع ذلك فإن تجربة فرنسا تؤكد، بما لا يسمح الشك، أنه حتى ظروف بلد عريق في تقدمه كفرنسا لم تتبلور بما فيه الكفاية لتسمح بطغيان العلاقات التعاونية. هذه المشاريع هي ذات حجم متوسط فقط، وليس مستواها التقني أعلى مستوى الفعاليات الرأسمالية، إنها ليست في مقدمة التطور الصناعي، إنها لا تقوده، وإنما هي أقرب إلى المستوى المتوسط المتواضع.
“فقط عندما تبرهن تجربة الجمعيات الإنتاجية الفردية عن كونها تلعب دورا قياديا في الحياة الاقتصادية يصبح بمقدورنا القول أننا نقترب من نظام جديد، وإذ ذاك فقط نستطيع أن نتأكد من أن الظروف الضرورية لوجودها قد توفرت”.
مع احترامنا لنوايا روجكوف الحسنة، يؤسفنا أن نعترف أنه ناذرا ما نلتقي حتى في الكتابات البرجوازية تخبّطا كالذي يقع فيه بصدد ما يسمّى بالشروط المسبقة لتحقيق الاشتراكية. ويجدر بنا أن نلقي نظرة على هذا التخبط إن لم يكن من أجل روجكوف فمن أجل القضية.
يعلن روجكوف أننا لم نصل بعد إلى ذلك المستوى من التطور التقني الذي يضعف دافع الكسب الفردي والانشغال بالنقد[؟] وبالمجهود وبالمبادرة والمجازفة الفردية ويحدّ منها، والذي يجعل بالتالي من مسألة الإنتاج الاجتماعي مسألة في المرتبة الأولى.
إنه لمن الصعب أن نكتشف ما يعنيه هذا المقطع. يبدو أن روجكوف يريد أن يقول، في الدرجة الأولى، أن التقنية الحديثة لم تطرد بعد من الصناعة عددا كافيا من طاقات العمل البشري؛ وفي الدرجة الثانية، أن عملية الطرد هذه لن تتمّ إلا بعد أن تسيطر المشاريع الكبرى سيطرة شبه تامة على جميع فروع الاقتصاد فيتحول بالتالي جميع سكان البلد إلى بروليتاريين تحولا شبه كامل. ويدّعي روجكوف أن هاذين هما الشرطان المسبقان للاشتراكية كما “أرسى قواعدها ماركس”.
فلنحاول أن نتصور كيف سيكون وضع العلاقات الرأسمالية التي يعتبر روجكوف أن الاشتراكية ستواجهها عند قدومها. إن “السيطرة شبه التامة للمشاريع الكبيرة على جميع فروع الاقتصاد” يعني، في ظل الرأسمالية، أن يتحول المنتجون الصغار والمتوسطون في الزراعة والصناعة إلى بروليتاريين كما ورد سابقا، أي أن تحول الشعب بأسره إلى بروليتاريا. غير أن السيطرة التامة للتقنية الآلية على هذه المشاريع الكبرى سوف تؤدي إلى التقليل من تشغيل طاقة العمل البشرية إلى أبعد حد، فتتحول الغالبية الساحقة من سكان البلد، فلنقل 90% منهم، إلى جيش عمل احتياطي يعيش في المساكن العمالية على حساب الدولة. لقد قلنا 90% من عدد السكان، ولكن لا شيء يمنعنا من أن نكون منطقيين فنتخيل وضعا تقتصر فيه عملية الإنتاج كلها على آلة أوتوماتيكية واحدة تملكها جمعية صناعية واحدة يفي قرد مدّرب واحد حاجتها إلى العمل الحيّ. وكما نعلم هذه النظرية المتماسكة اللامعة التي تدعو إليها البروفيسور “توغان- بارانوفسكي”. في مثل هذه الظروف، لا يتحلّ “الإنتاج الاجتماعي” “المرتبة الأولى” فحسب، بل يسيطر سيطرة تامة أيضا. وفي مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن يتحول الاستهلاك أيضا تحولا اشتراكيا لأن الأمة بأسرها، باستثناء العشرة بالمائة الذين يملكون “الترو تست” ستعيش على نفقة الحساب العام في المساكن العمالية. وهكذا يطل من وراء روجكوف وجه مألوف باسمٌ هو وجه “توغان- بارانوفسكي”. والآن، تستطيع الاشتراكية أن تظهر على المسرح. فيخرج الشعب من المساكن العمالية ويصادر أملاك مجموعة المالكين. ولا حاجة طبعا للثورة أو لديكتاتورية البروليتاريا.
يعتبر روجكوف أن الدلالة الاقتصادية الثانية على نضج البلد لقيام الاشتراكية تكمن في إمكانية سيطرة الإنتاج التعاوني في داخله. وحتى معامل الزجاج التعاونية في “البي” في فرنسا ليست على مستوى أرقى من مستوى أي مشروع رأسمالي آخر. فالإنتاج الاشتراكي يصبح ممكنا فقط عندما تكون التعاونيات في مقدمة التطور الصناعي، أي عندما تكون هي المشاريع القائدة.
إن هذه الحجة بكاملها مقلوبة رأسا على عقب. إن التعاونيات لا تستطيع أن تقود التطور الصناعي ليس لأن هذا التطور
لم يقطع الأشواط البعيدة وإنما لأنه قد تقدم أبعد من اللازم. ولا شك في أن التطور الاقتصادي يخلق أساسا يقوم
عليه التعاون، ولكن ما هو نوع هذا التعاون؟ إذا كنا نبحث عن التعاون الرأسمالي، المبني على العمل المأجور، فإن
كل مصنع يرينا صورة من هذا التعاون الرأسمالي. ومع تطور التقنية تتزايد أهمية مثل هذا التعاون أيضا. ولكن ما هي
الطريقة التي تمكن تطور الرأسمالية من وضع الجمعيات التعاونية في “مقدمة الركب الصناعي”؟ وعلى ماذا
يبني روجكوف آماله أن الجمعيات التعاونية سوف تتمكن من طرد الجمعيات الصناعية “والتروستات” والحلول
مكانها في مقدمة ركب التطور الصناعي؟ من البديهي أنه إذا تمّ ذلك، فلن يبقى على الجمعيات التعاونية إلا أن تقدم
فورا على مصادرة جميع المشاريع الرأسمالية، ثم تخفيض بعد ذلك ساعات العمل في اليوم بحيث يتوفر العمل للجميع
وتعدل حجم الإنتاج في مختلف المجالات لكي تتفادى الأزمات. بهذه الطريقة تكون قد أوجدت المعالم الأساسية للنظام
الاشتراكي. ويتضح هنا أيضا أنه لا حاجة مطلقا للثورة أو لديكتاتورية البروليتاريا.
أما الشرط المسبق الثالث
فهو ذو طابع نفسي: الحاجة إلى “أن يصل الوعي الطبقي عند البروليتاريا إلى المستوى الذي يخلق الوحدة
الروحية بين غالبية الشعب الساحقة”. بما أن “الوحدة الروحية” في هذا المجال تعني، ولا شك،
التضامن الاشتراكي الواعي، نخلص إذن إلى أن الرفيق روجكوف يعتبر أن الشرط النفسي المسبق للاشتراكية هو تنظيم
“غالبية الشعب الساحقة” في صفوف الحزب الاشتراكي- الديمقراطي. فمن الواضح، إذن، أن روجكوف يسلم بأن
الرأسمالية، بدفعها المنتجين الصغار إلى صفوف البروليتاريا وبدفعها العمال إلى صفوف جيش العمل الاحتياطي، سوف
تمهد الطريق أمام الحركة الاشتراكية- الديمقراطية لتنور غالبية الشعب الساحقة (90%) وتجمعهم في وحدة روحية.
هذا أمر يستحيل تحقيقه في عالم الرأسمالية البربرية بقدر ما يستحيل طغيان التعاونيات في نطاق المضاربة الرأسمالية. ولكن إذا كان تحقيقه ممكنا، فمن الطبيعي إذن أن تقوم “غالبية الشعب الساحقة”، الموحدة روحا ووعيا، بسحق بعض كبار الرأسماليين دون ما صعوبة بالغة وتنظيم الاقتصاد وفق نهج اشتراكي دون الحاجة إلى ثورة أو ديكتاتورية.
ولكن يبرز هنا السؤال التالي. إن روجكوف يعتبر نفسه تلميذا لماركس. غير أن ماركس، بعد عرضه “للشروط المسبقة الأساسية للاشتراكية” في “البيان الشيوعي”، اعتبر ثورة 1848 مدخلا مباشرا إلى الثورة الاشتراكية. طبعا لا يحتاج المرء إلى نظر ثاقب لكي يفهم، بعد ستين عاما، أن ماركس كان مخطئا لأن العالم الرأسمالي ما زال قائما. ولكن كيف ارتكب ماركس خطاً كهذا؟ ألم يلاحظ أن المشاريع الكبيرة لم تسيطر بعد على جميع فروع الاقتصاد، وإن التعاونيات الإنتاجية لم تستول بعد على قيادة المشاريع الكبرى، وأن غالبية الشعب الساحقة لم تتوحد بعد حول الأفكار التي طرحها “البيان الشيوعي”؟ وإذا كنا لا نلاحظ هذه الأشياء حتى في وقتنا هذا، لماذا لم يلاحظ ماركس عام 1848 أنها غير موجودة؟ يبدوا أن ماركس كان يافعا طوباويا عام 1848 إذا ما قارنا بينه وبين جهابذة الماركسية الحاليين المعصومين من الخطأ !
هكذا نرى أنه بالرغم من أن الرفيق روجكوف لا ينتمي بأي حال من الأحوال إلى نقاد ماركس، فإنه يهمل كون الثورة
البروليتاريا من الشروط المسبقة الأساسية للاشتراكية. وبما أن روجكوف يعبر بوضوح تام عن آراء عدد لا بأس به من
الماركسيين في كلا جناحي الحزب، فمن الضروري أن نستدل إلى جذور الأخطاء التي ارتكبها في المبدأ وفي
الوسيلة.
ولابد من أن نشير بشكل عابر إلى أن حجّة روجكوف فيما يتعلق بمصير التعاونيات تخصُّه هو وحده. فلم
يسبق لنا أن قابلنا اشتراكيين يعتقدون بمقل هذا التقدم البسيط الدائم نحو مركزة الإنتاج وإفقار الشعب إلى جانب
اعتقادهم، بالدور الطاغي الذي تلعبه الجمعيات التعاونية الإنتاجية قبيل ثورة البروليتاريا. إن جميع هذين الشرطين
المسبقين على صعيد النمو الاقتصادي أصعب بكثير من جمعهما في رأس الباحث رغم إنه كان يبدو لنا أن حتى هذا الأخير
أمر مستحيل.
ولكننا سوف نعالج “شرطين مسبقين” آخرين يعبّران عن عُقَدٍ أكثر وضوحا. لا شك في أن تمركز الإنتاج وتطور التقنية ونمو الوعي عند الجماهير هي الشروط المسبقة الأساسية للاشتراكية. غير أن هذه العمليات تجري في آن واحد وتكون الواحدة منها حافزاً للأخرى، ولكن تعيق الواحدة منها الأخرى، في الوقت ذاته، وتحدّ منها. فكل واحدة من هذه العمليات تتطلب، وهي في مستوى أرقى، تطورا معينا لعملية أخرى على مستوى أدنى. غير أن التطور الكامل لكل منها يتعارض مع التطور الكامل للعمليات الأخرى.
لا شك في أن تطور التقنية يبلغ حده المثالي عند توفر تركيب آلي واحد ينتزع المواد الخام في رحم الطبقية ويلقى بها عند قدمي الإنسان على شكل مواد استهلاكية جاهزة. ولو لم تكن العلاقات الطبقية والنضال المتأتي منها عاملا يحد من وجود النظام الرأسمالي، لكان لنا بعض الحق في أن نفترض أن التقنية، عندما تقترب من بلوغ مثال التركيب الآلي الواحد ضمن إطار النظام الرأسمالي، سوف يؤهلها هذا أن تلغي الرأسمالية فورا.
إن تمركز الإنتاج الذي ينتج عن قوانين المضاربة يتجه، من تلقاء ذاته، إلى إفقار جميع السكان. وإذا استثنينا هذا الاتجاه، يحقّ لنا أن نفترض أن الرأسمالية سوف تقوم بعملها إلى النهاية إذا لم تندلع الثورة خلال عملية الإفقار، غير أن وجود علاقة معينة بين القوى يحتم اندلاع الثورة قبل مدة طويلة من أن تحول الرأسمالية سكان الأمة إلى جيش احتياطي يعيش في ثكنات هي أشبه بالسجون.
وبالإضافة لذلك، فلا بد للوعي من أن ينمو بشكل مضطرد، ذلك بفضل تجربة النضال اليومي وبفضل المجهود الواعي الذي تبذله الأحزاب الاشتراكية. وإذا استثنينا هذه العملية، يمكننا أن نلاحق في مخيلتنا هذا النمو حتى تنضم غالبية الشعب إلى النقابات والمنظمات السياسية يجمع بينها روح التضامن ووحدة الهدف. إذن تسنّى لهذه العملية حقا أن تتزايد كميا دون أن يؤثر ذلك على نوعيتها، إذن لأمكن تحقيق الاشتراكية سلميا بواسطة “حركة مدنية” شاملة ووعيا في وقت ما من القرن الحادي والعشرين أو الثاني والعشرين.
إلا أن النقطة كلها تكمن في أن العمليات التي تشكل الشروط المسبقة التاريخية للاشتراكية لا تتطور بشكل معزول وإنما تحدّ الواحدة منها الأخرى وعندما تبلغ تطورا معينا، تحدّده ظروف عديدة بعيدة كل البعد عن الحدود الحسابية لهذه العمليات، تتغير نوعيا ويتولد من تركيبها المعقد ما اصطلح على تسميته بالثورة الاجتماعية.
سنبدأ من العملية الآنفة الذكر: نمو الوعي. إن هذه العملية لا تأخذ مجراها كما هو معلوم في الأكاديميات حيث يمكن حجز البروليتاريا بشكل مصطنع لخمسين أو مائة أو حتى خمسمائة عام، وإنما تأخذ مجراها في مسيرة المجتمع الرأسمالي الشاملة على أساس صراع طبقي لا يتوقف. وإن نمو الوعي عند البروليتاريا يحوّل الصراع الطبقي ويضفي عليه طابعاً هادفا وأكثر عمقا مما يستجلب بدوره ردة فعل من قبل الطبقات المسيطرة. ويصل نضال البروليتاريا ضد البرجوازية إلى مرحلة الانفراج قبل زمن طويل من بدء سيطرة المشاريع الكبرى على جميع فروع الصناعة.
وبالإضافة إلى ذلك، يصح القول طبعا أن نمو الوعي السياسي يعتمد على تزايد أعداد البروليتارية، وأن ديكتاتورية البروليتاريا يفترض أن تكون أعداد البروليتاريا كبيرة بحيث تمكنها من التغلب على مقاومة الثورة البرجوازية المضادة. إلا أن هذا لا يعني، بأي حال من الأحوال، أنه يجب على “غالبية الشعب الساحقة” أن تكون في الطبقة العاملة، أو أن تكون “الغالبية الساحقة” من العمّال من الاشتراكيين الواعين. ومن الواضح، طبعا، أنه يجب أن يكون جيش البروليتاريا الثوري الواعي أقوى من جيش رأس المال المضاد للثورة؛ وكذلك يجب أن تكون الفئات الوسطى والمترددة أو غير المبالية من الشعب في وضع يسمح لنظام ديكتاتورية البروليتاريا أن يستميلها إلى معسكر الثورة وإلا ينفّرها فتنضم إلى معسكر أعدائها. ويتوجب على السياسة البروليتارية، طبعا، أن تعي ذلك وأن نأخذه بعين الاعتبار.
إن كل هذا يفترض هيمنة الصناعة على الزراعة وسيطرة المدينة على الريف.
*****
سوف ننتقل الآن إلى تفحص الشروط المسبقة للاشتراكية وفق تقّلص نسبة عموميتها وتزايد نسبة تعقيدها.
1- ليست الاشتراكية مسألة توزيع متساو فحسب وإنما هي مسألة إنتاج مبرمج كذلك.و الاشتراكية، أي الإنتاج التعاوني في نطاق واسع، ممكنة فقط عندما يبلغ تطور قوى الإنتاج مستوى تنتج فيه المشاريع الكبرى أكثر مما تنتج المشاريع الصغيرة. فعندما ترجح كفة المشاريع الكبيرة على كفة المشاريع الصغيرة، أي عندما يتزايد نمو التقنية، تتضاعف الفوائد الاقتصادية للإنتاج الاشتراكي ويصبح المستوى الثقافي للشعب كله أكثر ارتفاعا نتيجة التوزيع المتساوي المبني على الإنتاج المبرمج.
لقد كان الشرط المسبق الأول للاشتراكية متوفرا منذ زمن طويل، منذ أن أدّى التقسيم الاجتماعي للعمل إلى تقسيم العمل في نظام المانفاتورة. وقد اتسعت رقعته منذ أن حلّ الإنتاج الآلي في المصنع مكان المانفاتورة. فغدت المشاريع الكبرى أكثر وأكثر فائدة الأمر الذي يعني أن تحويل هذه المشاريع إلى مؤسسات اشتراكية سوف يزيد من ثروة المجتمع. ومن الواضح أن انتقال جميع مشاغل الصناعة اليدوية إلى ملكية عامة لجميع الصناع ما كان سيزيد من ثرائهم قيراطا واحدا؛ في حين أن انتقال المانفاتورة إلى ملكية عامة للعمال بالقطعة، أو انتقال المصانع إلى أيدي العمال الذين يعملون فيها، أو بالأحرى انتقال جميع وسائل الإنتاج الكبيرة إلى أيدي جميع السكان سوف يرفع مستوى الشعب المادي ولا شك؛ وبمقدار ما يكون المستوى الذي بلغه الإنتاج الكبير كذلك يكون مستوى الشعب.
غالبا ما تتكلم الكتابات الاشتراكية عن “بيلرز”، النائب الإنكليزي [1] الذي قدم للبرلمان عام 1696، أي قبل مؤامرة “بابوف” بمدة قرن، مشروعا يقضي بإنشاء جمعيات تعاونية تزوّد نفسها بجميع ما تحتاجه بشكل مستقل. ويقضي هذا الإجراء بأن تضم هذه التعاونيات الإنتاجية عددا يتراوح بين مائتين وثلاثمائة شخص. لن نستطيع هنا أن نمتحن حجة السيد “بيلرز” فهي ليست ضرورية لما نسعى إليه، المهم في الأمر هو أن الاقتصاد الجماعي، حتى ولو نظرنا إليه فقط على أساس مجموعات مائة أو مائتين أو ثلاثمائة أو خمسمائة شخص، كان يعتبر إجراءً نافعا من وجهة النظر الإنتاجية حتى في نهاية القرن السابع عشر.
وفي بداية القرن التاسع عشر، نشر “فورييه” مشاريعه المتعلقة بإنشاء جمعيات إنتاجية-استهلاكية تدعى “الفالانستير” تضم الواحدة منها عددا يتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف شخص. ولم تكن حسابات فورييه تتميّز بالدقة مطلقا، وعلى كلٍ فقد أوحى له تطور المانفاتورة في ذلك الحين بجمعيات اقتصادية أوسع بكثير من تلك التي ذكرناها منذ قليل. ومهما يكن من الأمر، فمن الواضح أن جمعيات “جون بيلرز” و”الفالانستير” التي يحلم بها فورييه على حد سواء هي أقرب ما تكون في طبيعتها إلى المشاعات الاقتصادية الحرة التي يحلم بها الفوضويون. ولا تكمن طوباوية هذه المشاعات في “استحالة تحقيقها” ولا في كونها “ضد الطبيعة”، فلقد برهنت تجربة المشاعات الشيوعية في أمريكا عن إمكان تحقيقها، وإنما تكمن في كونها متخلفة بمائتي عام عن مسيرة التطور الاقتصادي.
لقد أدّى تطور التقسيم الاجتماعي من وجهة الإنتاج الذي يعتمد على الآلة من جهة أخرى إلى إيجاد وضع يجعل من الدولة، في زماننا هذا، الهيئة التعاونية التي تستطيع أن تستغل فوائد الإنتاج الجماعي على نطاق واسع. وبالإضافة إلى ذلك فإن سبابا اقتصادية وسياسية توجب على الإنتاج الاشتراكي أن يتخطى الحدود العنيفة لكل دولة بمفردها.
لقد أحصى “اتلنتيكس”، الاشتراكي الألماني الذي لا يتبنى وجهة النظر الماركسية، المنافع الاقتصادية
المتأتية من تطبيق الاقتصاد الاشتراكي ضمن نطاق ألمانيا في نهاية القرن الثامن عشر. ولم يكن اتلنتيكس يتميز
مطلقا بالخيال المحلِّق. فقد كانت أفكاره تدور عادة في فلك رتابة الرأسمالية الاقتصادية. فبنى حججه على كتابات
علماء زراعيين ومهندسين معاصرين يمكن الإعتماد عليهم. وإن هذا لا يضعف من حججه إنما هو الجانب المنيع منها إذ
يحول دون إنحرافه في تفاؤل لا مبرر له. وعلى كلٍ، فقد خلص اتلنتيكس إلى أن دخل العامل سوف يتضاعف مثنى وثلثا،
وأن يوم العمل سوف يتقلص إلى نصف ما كان عليه إذا توفر التنظيم الصحيح للاقتصاد الاشتراكي وتشغيل الموارد
التقنية التي كانت متوفرة في منتصف العقد الأخير من القرن التاسع عشر.
ومع ذلك لا يجب أن نظن أن اتلنتيكس
هو أول من أظهر فوائد الاشتراكية الاقتصادية. إن ارتفاع إنتاجية العمل في المشاريع الكبرى، من جهة، وضرورة تنظيم
الإنتاج من جهة أخرى، كما أفصحت عنها الأزمات الاقتصادية، لهي أدلة أكثر اقتناعا بضرورة الاشتراكية من الدفتر
الذي يعرض فيه اتلنتيكس حساباته الاشتراكية. إن الخدمة التي قدّمها تكمن في كونه عبّر عن هذه الفوائد بواسطة
أرقام تقريبية.
يحق لنا، استنادا إلى ما ورد، أن نخلص إلى أن النمو المضطرد لطاقة الإنسان التقنية سوف تزيد من منافع الاشتراكية
أكثر فأكثر، وأن الشرط المسبق للتقنية الكافية لتحقيق الإنتاج الجماعي متوفرة منذ مائة أو مأتي سنة، وان
الاشتراكية في الوقت الحاضر مفيدة من الناحية التقنية ليس على الصعيد الوطني فحسب وإنما على الصعيد العالمي إلى
بعيد أيضا.
إن مجرد توفر الفوائد التقنية لم يكن وحده كافيا لتحقيق الاشتراكية. لقد تجلت فوائد الإنتاج
الكبير على شكل رأسمالي وليس على شكل اشتراكي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولم تنفذ مشاريع بيلرز أو
فورييه. لماذا؟ لأن القوى الاجتماعية المؤهلة والمستعدة لتنفيذها لم تكن قد وجدت بعد.
2- ننتقل الآن من الشروط المسبقة ذات الطابع الإنتاجي والتقني إلى الشروط المسبقة للاشتراكية ذات الطابع الاجتماعي- الاقتصادي. لو لم نكن نعالج في هذا المضمار مجتمعاً يمزقه التناقض الطبقي، وإنما مجتمع منسجم يختار بوعي شكل نظامه الاقتصادي لكانت حسابات اتلنتيكس كافية، ولا شك، للشروع من بناء الاشتراكية. هكذا، بالتأكيد، كان اتلنتيكس، ذلك الاشتراكي المبتذل، ينظر إلى ما قام به. إن وجهة النظر هذه لم يعد بالإمكان تطبيقها في الوقت الحاضر إلا ضمن حدود عمل رجل أعمال فردي أو شركة. ومن حقنا أن نفترض أن المالكين لن يقبلوا بأية خطة للإصلاح الاقتصادي، كإدخال الآلية الحديثة واستعمال مواد خام جديدة أو شكل جديد من أشكال تنظيم العمل أو أنظمة جديدة للترقم، إلا إذا أمكن تبيان الفائدة التجارية التي تنتج عنها. غير أن هذا ليس كافيا ما دمنا في صدد معالجة اقتصاد مجتمع بكامله. إن مصالح متضاربة تتصارع هنا. فما هو لصالح الواحد ليس لصالح الآخر. إن أنانية الطبقة الواحدة لا تسيء إلى أنانية الطبقة الأخرى فحسب وإنما تسيء إلى المجتمع بأسره أيضا. لذا فالشرط الضروري لتحقيق الاشتراكية هو أن يوجد، بين الطبقات المتعادية في المجتمع الرأسمالي قوّة اجتماعية لها مصلحة، بحكم ظرفها الموضوعي، في تحقيق الاشتراكية وتكون على جانب من القوة بحيث تستطيع أن تتغلب على المصالح والهجمات المعادية لكي تحقق هذه الاشتراكية.
إن إحدى الخدمات الأساسية التي قدمتها الاشتراكية العلمية هي أنها اكتشفت، على الصعيد النظري، إن البروليتاريا هي هذه القوة الاجتماعية؛ وبيّنت أن هذه الطبقة، التي تنمو بشكل حتمي مع نمو الرأسمالية، لا تجد خلاصها إلا في الاشتراكية؛ وأن وضع البروليتاريا العام يدفعها نحو الاشتراكية وأنه لا بد للاشتراكية من أن تصبح في المدى البعيد أيديولوجية الطبقة العاملة.
من السهل إذن، أن نبين الخطوة الجبارة إلى الوراء التي خطاها اتلنتيكس عندما يؤكد أنه حالما يثبت “أن انتقال وسائل الإنتاج إلى يد الدولة لا يوفر البحبوحة العامة فحسب بل يؤدي إلى تخفيض يوم العمل أيضا، يجعل من موضوع تأكد صحة نظرية تمركز رأس المال واختفاء الطبقات الوسطى في المجتمع موضوعا لا أهمية له”.
ويعتبر اتلنتيكس أنه طالما تتأكد فواد الاشتراكية “يغدو من العبث تعليق الآمال على صنم التطور الاقتصادي، ويتوجب القيام بتحريات واسعة والشروع [!] في التحضير الكامل الشامل للانتقال من الإنتاج الفردي إلى الإنتاج الحكومي أو الاجتماعي”[2] .
عندما يعترض اتلنتيكس على الطابع المعارض البحث لتكتيك الاشتراكيين-الديمقراطيين، ويقترح “الشروع”
فورا في تحضير للانتقال إلى الاشتراكية، إنما ينسى أن الاشتراكيين-الديمقراطيين ما زالوا يفتقرون إلى القوة
اللازمة لتحقيق ذلك، وأن وليم الثاني وبولا وغالبية أعضاء الرايخستاغ الألمان لا ينوون مطلقا أن يدخلوا
الاشتراكية رغم كونهم يمسكون بزمام الحكم. وإن خطط اتلنتيكس الاشتراكية ليست أكثر إقناعا لسلالة الهوهنزولرن مما
كانت عليه خطط فورييه بالنسبة لسلالة البوربون؛ ولا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن فورييه قد بنى “مدينته
الفاضلة السياسية” على بدع حماسية في حقل النظرية الاقتصادية، في حين أن اتلنتيكس، الذي لا يقل طوباوية عن
فورييه في حقل السياسية، قد بنى نظريته على إحصائيات رزينة متحذلقة.
ما هو المستوى الذي يجب أن يبلغه
التمايز الطبقي لكي يتحقق الشرط المسبق الثاني للاشتراكية؟ وبكلمات أخرى: ماذا يجب أن يكون الثقل العددي النسبي
للبروليتاريا؟ هل يجب أن يشكل نصف عدد السكان أم ثلثيه أم تسعة أعشاره؟ إنه لمن العبث أن نحاول تعريف الحدود
الحسابية المجرّدة لهذا الشرط المسبق الثاني للاشتراكية؟ ففي الدرجة الأولى، علينا أن نقرر، في نطاق هذا المجهود
المنهجي، من هو الشخص الذي يمكن تصنيفه بأنه بروليتاري؟ هل يجب أن نضع تحت هذا الإسم تلك الفئة الواسعة التي تقع
بين البروليتاريا والفلاحين؟ هل يجب أن نضم الجماهير الاحتياطية بروليتاريا المدن، الذين يندمجون في
البروليتاريا الطفيلية كمتسولين ولصوص من جهة، أو يملئون من جهة أخرى. شوارع المدينة كتجار صغار يلعبون دورا
طفيليا فيما يتعلق بالنظام الاقتصادي ككل؟ ليست المسألة بسيطة على الإطلاق.
إن أهمية البروليتاريا تعتمد كليا على الدور الذي تلعبه في الإنتاج الكبير. إن البرجوازية تعتمد، في نضالها من أجل السيطرة السياسية، على قوتها الاقتصادية. وقبل أن تتمكن من تأمين السيطرة السياسية تعمد إلى حصر وسائل الإنتاج في البلد بين أيديها. هذا هو العامل الذي يمدِّد وزنها في المجتمع. ومهما يكن من الأمر، فإن البروليتاريا، بالرغم من الأوهام التعاونية، ستظل محرومة من وسائل الإنتاج إلى حين قيام الثورة الاشتراكية. إن قوتها الاجتماعية تكمن في كونها هي التي تستطيع تحريك وسائل الإنتاج التي تسيطر عليها البرجوازية. والبروليتاريا هي، من وجهة النظر البرجوازية، إحدى وسائل الإنتاج التي تكون بالتقائها مع الوسائل الأخرى تركيبا موحدا، ولكن البروليتاريا هي وحدها الجزء غير الآلي في هذا التركيب، ولا يمكن تحويلها إلى وضع آلة أوتوماتيكية مهما بذلت البرجوازية من مجهود. إن هذا الظرف يخول البروليتاريا أن توقف مسيرة اقتصاد المجتمع، جزئيا أو كليا، بواسطة إضرابات جزئية أو عامة. ويتضح من هذا أن أهمية البروليتاريا تتزايد بنسبة موازية لتزايد عدد القوى الإنتاجية التي تتولى تحريكها. هذا يعني، أن العامل في مصنع كبير، إذا ظلت العوامل الأخرى ثابتة، يملك ثقلا اجتماعيا أكبر من الثقل الذي يملكه عامل يدوي؛ وكذلك يملك العامل في المدينة ثقلا أكبر من ذلك الذي يملكه العامل في الريف. وبكلمات أخرى، فإن الدور السياسي الذي تلعبه البروليتاريا يتعاظم بقدر ما يزداد طغيان الإنتاج الكبير على الإنتاج الصغير، وبقدر ما تسيطر الصناعة على الزراعة وتسيطر المدينة على الريف. وإذا عدنا إلى تاريخ ألمانيا أو إنكلترا في الحقبة عندما كانت بروليتاريا هاذين البلدين تشكل نسبة من عدد السكان موازية للنسبة التي تشكلها البروليتاريا الآن في روسيا، نجد أن أهميتها الموضوعية لم تكن تؤهلها أن تلعب دورا سياسيا كالدور الذي تلعبه البروليتاريا في روسيا الآن.
إن الشيء نفسه ينطبق على دور المدن، كما سبق ورأينا. عندما كان عدد سكان المدن في ألمانيا يشكل 15% فقط من مجموع عدد السكان في البلد، كما هو الوضع في روسيا الآن، لم يخطر ببال أحد أن المدن الألمانية تستطيع أن تلعب دورا في حياة البلد الاقتصادية والسياسية كالذي تلعبه المدن الروسية في أيامنا هذه. إن حصر المؤسسات الصناعية والتجارية الكبيرة في المدن، وربط المدن بالريف بواسطة شبكة سكة حديد قد أضفي على مدننا أهمية تفوق بكثير أهمية عدد سكانها فقط؛ إن تزايد أهميتها قد سبق بأشواط بعيدة نمو عدد سكانها، في حين أن نمو عدد سكان المدن قد فاق بدوره الزيادة الطبيعية لعدد السكان في الريف بشكل عام… وفي إيطاليا عام 1848 لم يكن عدد العمال اليدويين – ليس البروليتاريين منهم فحسب وإنما الصناع المستقلين- يزيد عن 15% من مجموع عدد السكان، إنه ليس أقل من نسبة العمال اليدويين والبروليتاريين في روسيا الآن. ولكن الدور الذي كان يلعبه هؤلاء كان أضعف بكثير من الدور الذي تلعبه البروليتاريا الصناعية في روسيا.
يجب أن يتضح من جميع ما قيل أن نحاول بشكل مسبق تحديد النسبة من مجموع السكان التي يجب أن تكون في صفوف الطبقة العاملة في لحظة الإستيلاء على الحكم لهي مهمة لا تثمر. عوضا عن ذلك، سوف نقدم بعض الأرقام التقريبية التي تبين القوة العددية النسبية للطبقة العاملة في البلدان المتقدمة في الوقت الحاضر. كان عدد السكان العاملون في ألمانيا عام 1895 يبلغ 20.500.000 (هذا الرقم لا يشمل الجيش ولا الموظفين أو الأشخاص الذين لا يشتغلون في عمل محدد) ومن هذا العدد، كان هناك 12.500.00 عاملا (بما فيهم العمال المأجورين في الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات البيتية)، وكان عدد العمال والعمال الزراعيين 10.750.000. وكان العدد الأكبر من الـ 8.000.000 الباقية من البروليتاريين أيضا من عمال من الصناعات المنزلية من أفراد العائلة العاملين. إلى آخره. وكان عدد العمال المأجورين في الزراعة يبلغ وحده 5.750.000 عاملا. فكان السكان العاملون في الزراعة يشكلون 36% من مجموع عدد السكان في البلد. نكرّر أن هذه الأرقام تشير إلى الوضع عام 1895. لقد أحدثت السنوات الإحدى عشر الأخيرة تغييرا هائلا، ولا شك، في اتجاه زيادة نسبة سكان المدن على نسبة سكان الريف (كان عدد سكان الريف يشكل عام 1882، 42% من المجموع)، وفي اتجاه زيادة نسبة البروليتاريا الصناعية على نسبة البروليتاريا الزراعية، وأخيرا في اتجاه زيادة كمية رأس المال المنتج لكل عامل صناعي كما كانت عليه عام 1895. ولكن حتى أرقام 1895 تبين أن البروليتاريا الألمانية تشكل القوة الإنتاجية الطاغية في البلد منذ زمن بعيد.
إن بلجيكا بلد صناعي بحيث يبلغ عدد سكانه 7.000.000 شخصا. ومن بين كل مائة شخص يعملون في عمل أو في آخر، يعمل 41% منهم في الصناعة بالمعنى الضيق لهذه الكلمة، ويعمل 21% فقط في الزراعة. ومن بين 3.000.000 شخص يعملون بشكل ثابت يوجد 1.800.000 منهم في صفوف البروليتاريا أي 60%. وتصبح الصورة أكثر وضوحا عندما نضيف إلى البروليتاريا المتميزة بوضوح العناصر الاجتماعية المرتبطة فيها، ما يسمى بالمنتجين “المستقلين” كالموظفين الصغار والجنود، إلى آخره الذين هم مستقلون شكلا فقط في حين أنهم عبيد لرأس المال فعلا.
وتمثل بريطانيا المكانة الأولى فيما يتعلق بتصنيع الاقتصاد وإفقار السكان. ففي عام 1901، بلغ عدد الأشخاص الذين يعملون في الزراعة، والتحريج وصيد الأسماك 2.300.000 شخصا، في حين بلغ عدد العاملين في الصناعة والتجارة والنقل 12.500.000 شخصا، وهكذا نرى أن سكان المدن يفوقون سكان الريف عددا في البلدان الأوروبية الرئيسية. غير أن الطغيان العظيم لسكان المدن لا يكمن فقط في كتلة القوى الإنتاجية التي يكونونها، وإنما في التكوين النوعي لأفرادها. فالمدينة تجذب أكثر العناصر حيوية وذكاء ومقدرة من الريف. إن محاولة إثبات هذا بواسطة الإحصائيات لأمر صعب، رغم أن المقارنة في تركيب الأعمار لسكان المدينة والريف هو دليل غير مباشر على ذلك. ولهذه الحقيقة دلالتها الخاصة. ففي ألمانيا 1896 كان عدد الذين يعملون في الزراعة 8.000.000 وكان عدد الذين يعملون في الصناعة 8.000.000 أيضا. ولكن إذا قسمنا السكان وفق أعمارهم، نجد الذين يعملون في الزراعة يفوقون عدد الذين يعملون في الصناعة بمليون شخص في سليمي الأبدان تتراوح أعمارهم بين 14 و40 عاما. هذا يظهر أن “الكهول واليافعين” هم الذين يبقون بشكل خاص في الريف.
ويؤدي بنا هذا إلى الإستنتاج أن نمو الصناعة، ونمو المشاريع الكبرى، ونمو المدن، ونمو البروليتاريا بشكل عام والبروليتاريا الصناعية بشكل خاص قد مهّد الطريق ليس فقط أمام نضال البروليتاريا من أجل السلطة السياسية وإنما من أجل استيلائها على الحكم كذلك.
3- أصبح بإمكاننا الآن أن نعالج الشرط المسبق الثالث للاشتراكية: ديكتاتورية البروليتاريا. إن السياسة هي الصعيد حيث تتقاطع الشروط المسبقة الموضوعية للاشتراكية مع الشروط المسبقة الذاتية. ففي ظروف اجتماعية-اقتصادية محدّدة تضع طبقة معينة نصب أعينها هدف الاستيلاء على السلطة السياسية، فتجمع قواها وتزن قوة العدو وتقدر الوضع. حتى في هذا النطاق الثالث لا تكون البروليتاريا حرة تماما. فعلاوة عن العوامل الذاتية، كالوعي والاستعداد والمبادرة التي يسير تطورها وفق منطق خاص، ستواجه البروليتاريا في معرض تنفيذها لسياستها عددا من العوامل الموضوعية كسياسة الطبقات الحاكمة، ومؤسسات الدولة الموجودة (كالجيش والمدارس الطبقية والكنيسة الحكومية) والعلاقات الدولية، إلى آخره.
سوف نعالج في بادئ الأمر الظروف الذاتية: استعداد البروليتاريا للثورة الاشتراكية. لا يكفي طبعا أن يكون مستوى القضية قد جعل الاقتصاد الاشتراكي مفيدا من وجهة نظر إنتاجية العمل الاجتماعي. ولا يكفي أيضا أن يكون التمايز الطبقي الذي يقوم على هذه التقنية قد خلق طبقة عاملة هي الطبقة الأساسية نظرا لأعدادها وللدور الاقتصادي الذي تلعبه، والتي لها مصلحة موضوعية في الاشتراكية. فمن الضروري أيضا أن تكون هذه الطبقة واعية لمصالحها الموضوعية؛ من الضروري أن تكون قد فهمت أن لا مخرج لها إلا من خلال الاشتراكية، ومن الضروري أن تنضوي تحت لواء جيش يكون من القوة بحيث يستطيع الاستيلاء على السلطة السياسية في معركة علنية.
إنه من البلاهة في الوقت الحاضر أن ننكر ضرورة أن تتحضر البروليتاريا على هذا الشكل. إن “البلانكيين” الذين تخطاهم الزمن هم وحدهم الذين يأملون بالخلاص من خلال مبادرة منظمات تآمرية تتبلور بمعزل عن الجماهير؛ أما الفوضويون، الذين يقعون على طرفي نقيض معهم هم الذين يعتقدون بانتفاضة جماهيرية عفوية لا يمكن لأحد أن يتكهن بما ستؤدي إليه. إن الاشتراكيين-الديمقراطيين يعتبرون أن استلام السلطة هو عمل واع تضطلع به طبقة ثورية.
غير أن عددا من الإيديولوجيين [3] (بالمعنى السيئ لهه الكلمة، أي هؤلاء الذين يقلبون الأمور رأسا على عقب) يتكلمون عن تحضير البروليتاريا للاشتراكية بمعنى بعثها أخلاقيا. فيجب على البروليتاريا، وحتى على “البشرية” جمعاء، أن تتحرر بادئ بدء من طبيعتها الأنانية القديمة ويجب أن تطغى الغيرة على الحياة الاجتماعية، وإلى ما هنالك. وبما أننا مازلنا بعيدين جدا عن مثل هذا الوضع، وبما أن “الطبيعة البشرية” تتغير ببطء شديد، إذن تؤجل الاشتراكية لعدة قرون. قد تبدو وجهة النظر هذه واقعية جدا وتطويره وإلى ما هنالك، ولكنها ليست في الواقع سوى ضرب من التبشير الأخلاقي الضحل.
ويُفترض أنه يجب تنمية النفسية الاشتراكية قبل قيام النظام الاشتراكي، وبكلمات أخرى انه من الممكن الوصول إلى نفسية اشتراكية في ظل النظام الرأسمالي. لا يجب أن نخلط، في هذا المضمار، بين الإتجاه الواعي نحو الاشتراكية وبين النفسية الاشتراكية. فإن هذه الأخيرة تفترض تحرّر الحياة الاقتصادية من الدوافع الأنانية، في حين ينبثق الاتجاه نحو الاشتراكية والنضال لبلوغها في النفسية الطبقية عند البروليتاريا. ومهما يكن من أمر، ثمة نقاط التقاء عديدة بين النفسية الطبقية عند البروليتاريا وبين نفسية المجتمع الطبقي، ولكن ثمة بون شاسع يفصل بينهما.
يوّلد النضال المشترك ضد الاستغلال ومضات رائعة من المثالية والتضامن الرفاقي والتضحية بالنفس؛ وفي الوقت نفسه فإن الصراع الفردي من أجل البقاء، وهوّة الفقر السحيقة، والتمايز في صفوف العمّال أنفسهم، وضغط الجماهير الجاهلة من تحت تأثير الأحزاب البرجوازية الفاسدة لا تسمح لهذه الومضات الرائعة أن تتطور بشكل كامل. ومع هذا كله، ورغم أن العامل العادي يبقى أنانيا متحذلقا ولا يفوق الممثل العادي للطبقات البرجوازية في “القيمة الإنسانية”، رغم هذا كله يعرف هذا العامل من خلال التجربة أنه لا يمكن إيفاء أبسط متطلباته وأهوائه الطبيعية إلا على أنقاض النظام الرأسمالي…
إذا كانت الاشتراكية تهدف إلى خلق طبيعة بشرية جديدة ضمن حدود المجتمع القديم فهي لن تكون إلا نسخة جديدة عن الطوباويات الأخلاقية. إن الاشتراكية لا تهدف إلى خلق نفسية اشتراكية كشرط مسبق للاشتراكية، وإنما تهدف إلى خلق ظروف حياة اشتراكية كشرط مسبق للنفسية الاشتراكية.
[1]. لم يكن بيرلز نائبا في البرلمان وإنما كان مالكا للأراضي ينتمي إلى طائفة "الكويكرز". وقد قدم مشروع على شكل رسالة موجهة إلى البرلمان (المترجم الإلكتروني).
[2]. التنكيك: "دولة الغد" – سانت بطرسبورغ – 1906 – ص 22-23 (ل.ت.).
[3]. الملاحظ أن تروتسكي في هذا الكتاب وفيما عدا هذا الاستثناء فقط يستعمل عبارة "إيديولوجية" بمفهومها الشائع المرادف لعقيدة، وليس بمفهومها المراكسي الذي يطلق لقب إيديولوجية على كل تمثل جزئي أو زائف للواقع. (المترجم)