اسم الكتاب كاملا: نتائج وتوقعات
كتبه: ليون
تروتسكي سنة 1905.
نشر أول مرة: سنة 1906 في سانت بيترسبورغ St.
Petersburg بعيد قيام ثورة العمال الأولى 1905 في روسيا
التحويل الرقمي: جريدة المناضل-ة (مارس
2005)
التحرير الرقمي: علي بطحة
لقد بيّنا في الفصل السابق أن التطور الاقتصادي في البلدان الرأسمالية المتقدمة قد خلق المتطلبات الموضوعية لقيام الثورة الاشتراكية. ولكن، ما الذي نستطيع قوله في هذا المجال بصدد روسيا؟
هل بمقدورنا أن نتوقع أن يكون انتقال الحكم إلى البروليتاريا الروسية بداية لتحويل اقتصادنا الوطني إلى اقتصاد اشتراكي؟ منذ سنة أجبنا على هذا السؤال في مقالة شنت عليها الصحف الناطقة بلسان كلا الجناحين في حزبنا هجوما عنيفا. وفي تلك المقالة قلنا ما يلي:
“يقول ماركس: “إن عمال باريس لم يطلبوا من العامية التي أقاموها أن تصنع المعجزات”. ونحن أيضا لا يجب أن نتوقع معجزات سريعة من دكتاتورية البروليتاريا الآن. فالسلطة السياسية ليست جبروتا سماويا. ومن العبث الافتراض أنه يكفي أن تستلم البروليتاريا الحكم لتستبدل الرأسمالية بالاشتراكية بواسطة بضعة قرارات. إن النظام الاقتصادي لا تصنعه أعمال الحكومة. وكل ما تستطيع البروليتاريا أن تقوم به أن تستعمل قوتها السياسية بكل الزخم المتوفر لديها لتعبد طريق الانتقال إلى الجماعية وتقصرها.
في البدء، تحقق البروليتاريا تلك الإصلاحات المدرجة في ما يسمى ببرنامج الحد الأدنى، ثم يفرض عليها وضعها ذاته أن تنتقل مباشرة إلى اتخاذ الإجراءات التجميعية.
إن سن قوانين الثماني ساعات عمل في اليوم والضريبة التصاعدية على الدخل ستكون أمورا سهلة نسبيا، ولكن حتى في هذا المضمار يكون مركز الثقل هو في تنظيم عملية تنفيذ هذه القوانين وليس في سن “القوانين” بحد ذاتها. ولكن الصعوبة الأساسية هي في تنظيم الدولة للإنتاج في تلك المصانع التي أغلقها أصحابها ردا على إصدار هذه القوانين – وهنا يكمن الانتقال إلى الجماعية! وسيكون من السهل نسبيا إصدار قانون يلغي حق الإرث وتطبيقه. فالمواريث التي على شكل رأس مال نقدي لن تحرج البروليتاريا ولن تثقل على اقتصادها. ولكن لكي تتمكن الدولة العمالية من أن تلعب دور الوريث للأرض ولرأس المال الصناعي يجب أن تكون مهيأة لتنظيم الإنتاج الاجتماعي.
إن نفس القول ينطبق ولكن على مدى أوسع على مصادرة الممتلكات أكانت هذه المصادرة بتعويض أم بدون تعويض. إن المصادرة بتعويض مفيدة سياسيا ولكنها صعبة التحقيق من الناحية المالية، بينما المصادرة بدون تعويض مفيدة من الناحية المالية ولكنها صعبة التحقيق على الصعيد السياسي. ولكن المصاعب الكبرى هي التي ستواجه الحكومة العمالية خلال تنظيمها للإنتاج. نكرّر: إن حكومة البروليتاريا ليست حكومة تصنع المعجزات.
يجب أن يبدأ التحويل الاشتراكي في الإنتاج بتلك الفروع من الصناعة التي تقدم أقل قدر ممكن من المصاعب. فتكون الصناعة الاشتراكية، في الفترة الأولى، شبيهة بعدد من الواحات ترتبط بالقطاع الخاص بواسطة القوانين التي تنظم دورة البضاعة. وبقدر ما يرسخ النظام السياسي الجديد بقدر ما تكون الإجراءات الاقتصادية التي تتخذها البروليتاريا فيما بعد أكثر جرأة. ففي هذه الإجراءات تستطيع ويجب عليها لا فقط أن تعتمد على قوى الإنتاج الوطنية ولكن على التقنية في العالم كله أيضا، مثلما لن تعتمد في سياستها الثورية على تجربة العلاقات الطبقية داخل البلد فحسب ولكن تعتمد أيضا على التجربة التاريخية كلها التي خاضتها البروليتاريا العالمية”.
إن سيطرة البروليتاريا السياسية تسير في خط عكسي مع عبوديتها الاقتصادية. ومهما تكن الشعارات التي جاءت باسمها البروليتاريا إلى الحكم فإنها مجبرة على السير في طريق السياسة الاشتراكية. إنه لمن الطوباوية المفرطة أن نعتقد أنه بإمكان البروليتاريا، التي يدفعها التركيب الداخلي للثورة البرجوازية إلى استلام السلطة السياسية، ان تحصر رسالتها في خلق الظروف الديمقراطية والجمهورية لسيطرة البرجوازية اجتماعيا؛ إنها لن تتمكن من ذلك حتى ولو كانت تريده. إن سيطرة البروليتاريا السياسية، حتى ولو كانت آنية، سوف تضعف إلى حد بعيد من مقاومة رأس المال الذي يحتاج دوما إلى مساندة الدولة له بحيث تفتح آفاقا جديدة أمام نضال البروليتاريا الاقتصادي.إن العمال لا يمكن أن يطالبوا الحكومة الثورية بالتعويض على المضربين، ولا يمكن لحكومة تعتمد على العمال ان ترفض مثل هذا الطلب. على أن هذا يؤدي إلى إبطال مفعول جيش العمال الاحتياطي وإلى جعل العمال مسيطرين ليس في المجال السياسي فحسب ولكن في المجال الاقتصادي أيضا، فتتحول الملكية الفردية في وسائل الإنتاج إلى خرافة ليس إلا. هذه النتائج الاجتماعية-الاقتصادية الحتمية لدكتاتورية البروليتاريا سوف تبرز بسرعة فائقة، حتى قبل الانتهاء من إرساء النظام السياسي على أسس ديمقراطية. إن الحاجز الذي يفصل بين برنامج “الحد الأدنى” وبرنامج “الحد الأقصى” ينهار حالا عند مجيء البروليتاريا إلى الحكم.
إن أول أمر يجب أن يعالجه النظام البروليتاري عند استلامه للحكم هو حل القضية الزراعية التي يتوقف عليها مصير جماهير غفيرة من الشعب الروسي. وفي معرض حل هذه القضية، وأية قضية أخرى، على البروليتاريا أن تضع نصب أعينها الهدف الأساسي لسياستها الاقتصادية أي السيطرة على أوسع قطاع ممكن تنفذ فيه تنظيم الاقتصاد الاشتراكي. إلا أن الطريقة التي تنفذ فيها هذه السياسة الزراعية وسرعة هذا التنفيذ تعتمدان على الموارد المادية الموضوعية تحت تصرف البروليتاريا وعلى العمل بحذر حتى لا تدفع بالحلفاء الممكنين إلى صفوف أعداء الثورة.
إن القضية الزراعية، أي قضية مصير الزراعة في علاقاتها الاجتماعية لا تقتصر بالطبع على قضية الأرض أي على قضية أشكال ملكية الأرض. ولا شك في أن حل قضية الأرض، حتى وإن كان لا يحدد مصير التطور الزراعي، فإنه على الأقل يحدد مصير السياسة الزراعية التي تنتهجها البروليتاريا. وبكلمات أخرى، فإن موقف النظام البروليتاري من قضية الأرض سيكون على ارتباط وثيق بموقفه العام من اتجار التطور الزراعي ومقتضياته. لهذا السبب تحتل القضية الزراعية المكانة الأولى.
إن أحد الحلول لقضية الأرض، التي جمع حولها الاشتراكيون-الثوريون تأييدا واسعا هو تأميم كل الأرض، وهذه العبارة، إذا جردناها من طلائها الأوروبي، تعني مجرد “المساواة في استثمار الأرض” (أو “التوزيع الأسود”). وهكذا فإن توزيع الأرض بالتساوي يفترض مصادرة جميع الأراضي ليس فقط الأراضي المملوكة فرديا بشكل عام وإنما تلك التي يملكها الفلاحون فرديا وحتى أراضي المشاع. فإذا تذكرنا أن هذه المصادرة ستكون من أولى إجراءات النظام الجديد، حيث تكون علاقات الرأسمالية – البضاعة ما تزال طاغية، نجد أن الفلاحين سيكونون أول “ضحايا” هذه المصادرة (أو بالأحرى هذا ما سوف يعتقدون). وإذا تذكرنا أن الفلاح كان يدفع، خلال عدة عقود، رسوم الإعفاء التي حولت الأرض إلى ملك فردي له؛ وإذا تذكرنا أن بعض الفلاحين الميسورين قد استملكوا مساحات شاسعة من الأرض بشكل فردي على حساب تضحيات كبيرة ولا شك ما زال الجيل الحالي يدفع ثمنها؛ إذا تذكرنا كل هذا يسهل علينا أن نتوقع أن محاولة تحويل الأرض المشاعية والملكيات الفردية الصغيرة إلى أملاك دولة سوف تلقى مقاومة عنيفة. إن النظام الجديد إذا تصرف بهذا الشكل سوف يبدأ بإثارة معارضة قوية ضده في أوساط الفلاحين.
ما هو السبب الذي يدعو لتحويل الأراضي المشاعية والملكيات الفردية الصغيرة إلى أملاك دولة؟ لكي تغدو، بشكل أو بآخر، تحت تصرف جميع مالكي الأرض، بما فيهم الفلاحون الذين لا أرض لهم والعمال الزراعيون، ليستثمروها اقتصاديا “بالتساوي”. وهكذا لن يربح النظام الجديد شيئا على الصعيد الاقتصادي بمصادرة الملكيات الصغيرة والأرض المشاع ما دامت أراضي الدولة والأراضي العامة سوف يجري استثمارها على شكل الملكيات الفردية بعد توزيعها. أما على الصعيد السياسي، فإن النظام الجديد يكون قد ارتكب بذلك خطأ كبيرا لأنه سيحرض جماهير الفلاحين ضد بروليتاريا المدن، موجهة السياسة الثورية.
إلى جانب ذلك، يسلم التوزيع العادل للأرض بأنه سيجري تحريم تشغيل العمال لقاء أجر قانونيا. إن إلغاء العمل المأجور يمكن ويجب أن يكون نتيجة للإصلاح الاقتصادي، ولكن لا يمكن تحديده بشكل مسبق بالتحريم القانوني. فلا يكفي أن نحرم على الرأسمالي صاحب الأرض أن يشغل العمال لقاء أجر، يجب علينا أولا أن نضمن للعامل غير المالك للأرض سبل البقاء على قيد الحياة، السبل المعقولة من وجهة النظر الاجتماعية-الاقتصادية. تحت برنامج المساواة في استثمار الأرض، يؤدي تحريم تشغيل العمال لقاء أجر إلى إجبار العمال غير المالكين للأرض على الاستيطان في قطع صغيرة من الأرض من جهة، وإجبار الحكومة على تزويدهم بالمواد والمعدات اللازمة لإنتاجهم غير المعقول من وجهة النظر الاجتماعية.
من المفهوم طبعا أن تدخل البروليتاريا في تنظيم الزراعة لن يبدأ بربط العمال المشتتين بقطع أرض مبعثرة، ولكن باستثمار الملكيات الواسعة من قبل الدولة أو العاميات. وفقط بعدما تترسخ أسس الإنتاج الاشتراكي يمكن دفع عملية التحويل الاشتراكي إلى الأمام نحو تحريم العمل المأجور. هذا سيجعل الزراعة الرأسمالية الصغيرة مستحيلة، لكنه يفسح المجال أمام بقاء الملكيات التي تكفي نفسها بنفسها أو التي تقترب من الكفاف، إن المصادرة القسرية لهذه الملكيات لا يدخل ضمن نطاق مشاريع البروليتاريا الاشتراكية.
وعلى كل حال، فلا يمكن أن نتعهد بتنفيذ برنامج توزيع عادل يسلِّم بمصادرة محض شكلية ولا هدف لها للملكيات الصغيرة من جهة ويطالب بتفتيت الملكيات الواسعة إلى قطع صغيرة من جهة أخرى. إن هذه السياسة الخاسرة من وجهة النظر الاقتصادية، لا يمكن الا أن تخفي وراءها دافعا رجعيا-طوباويا، وسوف تؤدي قبل كل شيء إلى إضعاف الحزب الثوري سياسيا.
ولكن إلى أي مدى تستطيع الطبقة العاملة أن تنفذ سياستها الاشتراكية في ظروف روسيا الاقتصادية؟ شي واحد أكيد هو أنها سوف تصطدم بعراقيل سياسية قبل أن تصطدم بالعراقيل التي يضعها في طريقها تخلف البلد التقني. بدون مساعدة حكومية مباشرة تقدمها لها البروليتاريا الأوروبية لن تتمكن الطبقة العاملة في روسيا من البقاء في الحكم وتحويل سيطرتها الآنية إلى دكتاتورية اشتراكية دائمة. هذا أمر لا شك فيه. ومن جهة أخرى، ليس هنالك أدنى شك في أن الثورة الاشتراكية في الغرب سوف تمكننا من تحويل سيطرة الطبقة العاملة الآنية حالا إلى دكتاتورية اشتراكية.
في عام 1904، كتب كاوتسكي، في معرض مناقشته لتوقعات التطور الاجتماعي في روسيا ولإمكان قيام ثورة مبكرة في روسيا، ما يلي:
“إن الثورة في روسيا لا يمكن أن تؤدي حالا إلى قيام نظام اشتراكي.
لأن الظرف الاقتصادية في البلد لم تنضج النضج الكافي لهذا الغرض”.
إلاّ أن الثورة الروسية ستكون بالتأكيد حافزا للحركة البروليتارية في سائر بلدان أوروبا، وكنتيجة للصراع الذي يدور قد تأتي البروليتاريا الألمانية إلى الحكم. ويستطرد كاوتسكي قائلا:
“إن نتيجة كهذه سيكون لها تأثيرها على أوروبا كلها. فيجب أن تؤدي إلى سيطرة البروليتاريا السياسية في أوروبا الغربية، وتوّفر للبروليتاريا في أوروبا الشرقية إمكان تلخيص مراحل تطورها فتشيد المؤسسات الاشتراكية بشكل مصطنع ناقلة إليها عن النموذج الألماني. لا يستطيع المجتمع ككل أن يقفز بشكل مصطنع عن أية مرحلة من مراحل تطوره. ولكن تستطيع قطاعات من هذا المجتمع أن تستعجل تطورها المتأخر بتقليد البلدان الأكثر تقدما، وبفضل هذا التقليد قد تتمكن حتى من أن تصبح في طليعة ركب التطور لأنها لا ترزح تحت ثقل التقاليد التي تحملها البلدان الأكثر قدما منها… من المحتمل أن يحصل ذلك ولكن، كما قلنا سابقا، إننا نترك هنا مجال الحتمية لندخل مجال الإحتمال، لذا يمكن للأمور أن تسير في مجرى آخر”.
لقد كتب المفكر الديمقراطي-الاجتماعي الألماني هذه الأسطر في زمن كان يعالج فيه ما إذا كانت الثورة سوف تندلع في روسيا أو في الغرب أولا. وفيما بعد، تفتقت البروليتاريا الروسية عن قوة هائلة لم يتوقعها الديمقراطيون-الاجتماعيون حتى في أكثر اللحظات تفاؤلاً. لقد تحدد مجرى الثورة الروسية فيما يتعلق بسماتها الأساسية. إن ما كان منذ سنتين أو ثلاث ممكناً قد أصبح محتملاً وكل الدلائل تشير إلى أنه على اهبته أن يصير حتمياً.