ليون تروتسكي

نتائج و توقعات


اسم الكتاب كاملا: نتائج وتوقعات
كتبه:
 ليون تروتسكي سنة 1905.
نشر أول مرة: سنة 1906 في سانت بيترسبورغ St. Petersburg بعيد قيام ثورة العمال الأولى 1905 في روسيا
التحويل الرقمي: ‎ جريدة المناضل-ة (مارس 2005)
التحرير الرقمي: علي بطحة


أوروبا والثورة

في يونيو عام 1905 كتبنا ما يلي:

“لقد مرّ أكثر من نصف قرن على عام 1848، نصف قرن من الانتصارات الرأسمالية المضطردة في العالم كله، نصف قرن من التكيّف المتبادل بين قوى الرجعية البرجوازية وقوى الرجعية الإقطاعية، نصف قرن كشفت فيه البرجوازية النقاب عن شهوتها الجنونية للسيطرة واستعدادها للقتال بوحشية من أجلها.

” ومثلما يصطدم الباحث عن “الحركة الدائمة” بعقبات جديدة دوما فيجمع الآلة تلو الآلة بغية تجاوزها، كذلك بدّلت البرجوازية آلة حكمها وأعادت بناءها بحيث تتفادى الصراع “غير القانوني” مع القوى المعادية لها. ولكن كما أنه لابد للباحث عن الحركة الدائمة من أن يصطدم في النهاية بعقبة لا يمكن تخطيها هي “قانون المحافظة على الطاقة”، كذلك لا بد للبرجوازية من أن تصطدم في طريقها بالعقبة التي لا يمكن تخطيها أيضا وهي التناقض الطبقي الذي لا يمكن تسويته إلا بواسطة الصراع.

“إن الرأسمالية إذ تربط جميع البلدان بعضها ببعض بأسلوب إنتاجها وبتجارتها تحوّل العالم بأسره إلى كيان اقتصادي وسياسي واحد. وكما يربط التسليف الحديث آلاف المشاريع بوشائج غير منظورة ويتيح لرأس المال فرصة التحرك بسرعة مذهلة بحيث يحول دون حدوث عدة إفلاسات صغيرة ولكنه يسبب في الوقت نفسه موجة غير متوقعة من الأزمات الاقتصادية العامة، كذلك فإن كل مجهود الرأسمالية الاقتصادي والسياسي وتجارتها العالمية ونظام الديون الحكومية الهائلة والتجمعات السياسية للدولة التي تضم جميع القوى الرجعية في نوع من الشركة المساهمة العالمية قد حال دون وقوع جميع الأزمات السياسية الافرادية وخلق أساس أزمة اجتماعية ذات حجم فظيع في آن واحد. إن البرجوازية، بعملها على طمس جميع معالم المرض وتفاديها للمصاعب وتأجيلها لجميع القضايا العميقة المتعلقة بالسياسة الداخلية والدولية وتمويهها لجميع التناقضات، قد استطاعت أن تؤجل الانفراج ولكنها مهدت بذلك لتصفية جذرية لحكمها على الصعيد العالمي. لقد تمسكت البرجوازية بجشع بكل قوة رجعية دون أن تتحرّى أصلها. وما البابا والسلطان العثماني إلا بعض من أصدقائها. والسبب الوحيد لكونها لم توثق عرى “الصداقة” مع إمبراطور الصين هو أنه لا يمثل أية قوة. فكان من مصلحتها أن تنهب أملاكه عوضا عن أن تحتفظ به في خدمتها، مثلما تحتفظ بشرطتها التي تدفع لها من خزينتها الخاصة. وهكذا نجد أن البرجوازية العالمية قد جعلت استقرار حكمها يعتمد إلى أقصى حد على عدم استقرار الجيوب الرجعية الموروثة عن عهد ما قبل البرجوازية.

إن هذا يضفي على الأحداث التي نشاهدها طابعا دوليا ويفتح أمامنا آفاقا واسعة. إن تحرّر روسيا السياسي بقيادة الطبقة العاملة سيرفع هذه الطبقة إلى مستوى لم يعرفه التاريخ من قبل ويضع في متناول أيديها قوى وموارد جبارة ويجعلها رائدة تصفية الرأسمالية العالمية التي وفّر التاريخ لها جميع الظروف الموضوعية”.

وإذا لم تبادر البروليتاريا الروسية، بعد سيطرتها الآنية على الحكم، إلى نقل الثورة إلى الأرض الأوروبية، فإن قوى الإقطاعية-البرجوازية الرجعية في أوروبا سوف تجبرها على ذلك. ومن العبث طبعا أن نحدد في هذا الوقت الوسائل التي يجب على الثورة الروسية أن تتبعها للانقضاض على أوروبا الرأسمالية القديمة. فقد تكشف هذه الوسائل عن نفسها بشكل مفاجئ. فلنأخذ مثال بولونيا لكونها حلقة وصل بين الشرق الثوري والغرب الثوري. إننا نأخذ هذا المثال لتوضيح فكرتنا إلاّ أننا لا نعتبره توقعا فعليا لما قد يحدث في ذلك البلد.

إن انتصار الثورة في روسيا سوف يؤدي إلى الإنتصار الحتمي للثورة في بولونيا. وليس من الصعب أن نتصوّر أن وجود نظام ثوري في المقاطعات البولونية العشر التي تسيطر عليها روسيا سوف يكون حافزا لاندلاع الثورة في غاليسيا وبوزانان. وسوف تجيب حكومة سلالة الهوهنزوليرن وحكومة سلالة الهابسبورغ على هذا بإرسال الوحدات العسكرية إلى الحدود البولونية بغية اجتيازها وسحق العدو في مركزه: وارسو. ومن الواضح أن الثورة الروسية لا تستطيع ترك جبهتها الغربية بين أيدي جنود بروسيا والنمسا. ستكون الحرب ضد حكومتي وليام الثاني وفرانز جوزيف، في مثل هذه الظروف، عملية دفاع عن النفس تلجأ إليها الحكومة الثورة في روسيا. فماذا يجب أن يكون موقف البروليتاريا في النمسا وألمانيا آنذاك؟ من البديهي أنه لا يجوز أن تلتزم جانب الصمت بينما تخوض جيوش بلديها حربا صليبية ضد الثورة. إن الحرب بين ألمانيا الإقطاعية-البرجوازية وبين روسيا الثورية سوف تؤدي بالضرورة إلى اندلاع الثورة في ألمانيا. إننا نقول للذين يبدو لهم هذا القول مطلقا للغاية أن يحاولوا التفكير بأي حدث تاريخي آخر يكون أكثر ملاءمة لإجبار العمال الألمان على خوض معركة علنية لكشف قوتها ضد الرجعيين الألمان.

عندما أعلنت حكومة تشرين (أكتوبر) في روسيا الأحكام العرفية في بولونيا فجأة، سرت إشاعات تقول أن هذه قد تم تلبية لتعليمات مباشرة من برلين. وعشية حل مجلس الدوما، هددت صحف الدولة بنشر أخبار عن الاتصالات التي جرت للتفاوض بين حكومتي برلين وفيينا غايتها التدخل المسلح في شؤون روسيا الداخلية لقمع محاولة قلب الحكومة. ولم يفلح التكذيب الوزاري في محو تأثير الصدمة التي أحدثتها أنباء هذه الاتصالات. فقد اتضح أن خطة للثأر من الثورة بشكل دموي تعدّ في قصور الدول الثلاث المجاورة. وهل يمكن للأمور أن تكون غير ذلك؟ هل تستطيع الملكيات شبه-الإقطاعية المجاورة أن تقف مكتوفة الأيدي بينما تقترب نيران الثورة من حدود سلطانها؟

إن الثورة الروسية، عندما كانت ما تزال بعيدة كل البعد عن إحراز النصر، قد فعلت فعلها في التأثير على غاليسيا من خلال بولونيا. لقد صاح ذاسزنسكي في مؤتمر الحزب الاشتراكي-الديمقراطي البولوني في “لفوف” في شهر أيار من هذا العام: “من كان يستطيع أن يتكهن منذ عام بما يجري الآن في بولونيا؟ لقد زرعت هذه الحركة الفلاحية الدهشة في كل أنحاء النمسا. مقاطعة زباراز تنتخب اشتراكيا ديمقراطيا لمنصب نائب حاكم مجلس المقاطعة. والفلاحون يصدرون صحيفة اشتراكية ثورية موجهة لإخوانهم الفلاحين اسمها “الراية الحمراء”، الاجتماعات الجماهيرية الضخمة تعقد بحضور 30.000 فلاح، والمواكب التي تحمل الاعلام الحمراء وتنشد الاغاني الثورية تخترق شوارع قرى غاليسيا التي كانت هادئة لا مبالية… ماذا يحصل عندما تنطلق من روسيا صرخة تأميم الأرض وتصل إلى مسامع هؤلاء الفلاحين المدقعين؟” منذ أكثر من عامين أشار كاوتسكي، في معرض حواره مع الاشتراكي البولوني “لوسنيا” إلى أنه يجب ألا ننظر بعد الآن إلى روسيا على أنها كرة ثقيلة على أقدام بولونيا، أو أن ننظر إلى بولونيا على أنها قطاع شرقي من أوروبا الثورية يخترق كالرمح مجاهل البربرية المسكوية. ويعتبر كاوتسكي أنه في حال اندلاع الثورة الروسية وتحقيق انتصارها، فإن القضية البولونية “سوف تزداد حدة مرة أخرى ولكن ليس بالمعنى الذي يريده لوسنيا. فهي لن تكون موجهة ضد روسيا هذه المرة وإنما ضد النمسا وألمانيا، وإلى مدى ما تخدم بولونيا قضية الثورة لن تظل مهمتها محصورة في الدفاع عن الثورة ضد روسيا وإنما أن تنقل الثورة إلى ألمانيا والنمسا”. إن هذا التنبؤ أقرب إلى التحقيق مما ظنه كاوتسكي.

بيد أن بولونيا الثورية ليست، في أي حال من الأحوال، المنطلق الوحيد للثورة في أوروبا. لقد أشرنا سابقا إلى أن البرجوازية قد امتنعت في جميع المناسبات عن حلّ العديد من القضايا الخطيرة المعقدة التي تؤثر على السياسة الداخلية والخارجية. ولكونها وضعت أعدادا هائلة من الناس تحت السلاح لم تتمكن الحكومات البرجوازية من أن تشق طريقها بالسيف وسط أدغال السياسة الدولية. إن حكومة تحظى بتأييد الأمة التي جرى المساس بمصالحها الحيوية أو حكومة على شفير الهاوية تدفعها شجاعة اليأس تستطيع أن ترسل المئات والآلاف من البشر إلى ساحات الحرب. إن الثقة الكبيرة بالنفس أو المغامرة الجنونية قد ترمي بأمتين في حلبة الصراع في ظل الظروف الحديثة للثقافة السياسية والعلم العسكري حيث يحق للجميع الانتخاب وحيث تطبق الخدمة العسكرية على الجميع. ففي الحرب الفرنسية-البروسية عام 1870 كان بيسمارك يقاتل من أجل فرض سيطرة بروسيا على ألمانيا مما يؤدي إلى تحقيق الوحدة القومية، هذه الضرورة الأولية التي يؤمن بها كل ألماني؛ هذا في الجهة وفي الجهة الأخرى كانت هناك حكومة نابليون الثالث الصلفة والضعيفة التي تكرهها الأمة والمستعدة لأية مغامرة تبقيها سنة أخرى في الحكم. وقد حصل توزيع الأدوار نفسه في الحرب الروسية-اليابانية. ففي جهة، كانت حكومة الميكادو، التي لم تعارضها بعد بروليتاريا ثورية، تقاتل من أجل سيطرة رأس المال الياباني على الشرق الأقصى، وفي الجهة الأخرى كانت هناك حكومة فردية فات أوانها تسعى إلى تغطية هزائمها الداخلية بتحقيق الانتصارات في الخارج.

في البلدان الرأسمالية القديمة لا يوجد مطالب “قومية” أي مطالب المجتمع البرجوازي ككل تستطيع البرجوازية الحاكمة أن تدّعي أنها حاميتها. إن حكومات فرنسا وبريطانيا وألمانيا والنمسا عاجزة عن شن حروب قومية. إن مصالح الجماهير الحيوية ومصالح القوميات المضطهدة والسياسة الداخلية البربرية التي تنهجها دولة مجاورة كلها عاجزة عن دفع حكومة برجوازية واحدة إلى الحرب ذات طابع تحريري وبالتالي قومي. ومن الناحية الثانية، فإن مصالح الجشع الرأسمالي التي تدفع، بين الحين والآخر، هذه الحكومة أو تلك إلى أن تقرقع بمهمازها وتلوح بسيفها في وجه العالم بأسره لا يمكن أن تلقى أي تجاوب بين الجماهير. لهذا السبب لا تستطيع البرجوازية أن تخوض حروبا قومية ولا أن تعلنها أو تقودها. فقد اتضح من تجربتين اثنتين في جنوب إفريقيا والشرق الأقصى المآل الذي آلت إليه الحروب المعادية للقومية.

إن الهزيمة الشنيعة التي منيت بها الرجعية الاستعمارية في بريطانيا لا تعود، في التحليل الأخير، إلى الدرس الذي لقنتها إياه حرب “البوير”، إن حق التقرير الذاتي السياسي الذي اكتسبته البروليتاريا البريطانية هو نتيجة أكثر أهمية للسياسة الاستعمارية وأكثر تهديدا لمصالح البرجوازية، وما إن يبدا هدا التقرير الذاتي فلسوف يتقدم بخطوات سريعة. أما بالنسبة لتأثير الحرب الروسية-اليابانية على حكومة بتروغراد، فإنها جد معروفة بحيث لا حاجة للتوقف عندها. ولكن حتى إذا طرحنا هاتين التجربتين جانبا، نجد أنه من اللحظة التي بدأت فيها البروليتاريا بالوقوف على رجليها امتلك الحكومات الأوروبية رعب دائم من أن تخيرها هذه بين الحرب والثورة. إن هذا الخوف من تمرد البروليتاريا بالذات هو الذي يفرض على البرجوازية، حتى وهي تصوّت إلى جانب صرف مبالغ طائلة من المال للحرب، أن تصرّح بخشوع بأنها إلى جانب السلم. وأن تحلم “بلجان تحكيم دولية” وحتى بمنظمة الولايات المتحدة الأوروبية. إن هذه التصريحات التعيسة لا تستطيع، طبعا، أن تلغي التناحرات الطبقية بين الدول ولا أن تؤجل الإصطدامات المسلحة.

إن السلم المسلح الذي كان قائما في أوروبا بعد الحرب البروسية-الفرنسية يعتمد على ميزان القوى في أوروبا الذي يفترض مناعة تركيا وتجزئة بولونيا والحفاظ على النمسا، أي على وجود نوع من الفسيفساء الاثنية (فسيفساء الشعوب)، كما يعتمد أيضا على المحافظة على الحكم المطلق في روسيا مدججا بالسلاح لكي يلعب دور شرطة الرجعية الأوروبية. إلاّ أن الحرب الروسية-اليابانية قد وجهت ضربة قاسية لهذا النظام الذي تجري المحافظة عليه بتصنع والذي يمثل الحكم الفردي المكانة الأولى فيه. فانفصلت روسيا عما يسمّى “القوى الأوروبية المتناغمة”. (Concert of powers) فإنهار توازن القوى. ومن جهة أخرى، أثارت انتصارات اليبابان الغرائز العدوانية الكامنة في البرجوازية الرأسمالية وخاصة القطاع المصرفي منها الذي يلعب دورا هاما في السياسة المعاصرة. وتفاقم خطر نشوب حرب في المنطقة الأوروبية. الصراعات تختمر في كل مكان، وإذا قد تم حلها حتى الآن بالوسائل الديبلوماسية فليس هناك من ضمانة أن تظل هذه الوسائل ناجحة إلى زمن طويل. غير أن نشوب حرب أوروبية يعني حتما اندلاع الثورة الأوروبية.

لقد أعلن الحزب الاشتراكي في فرنسا، إبان الحرب الروسية-اليابانية، أنه إذا تدخلت الحكومة الفرنسية إلى جانب الحكم الفردي في روسيا، فإنه سوف يدعو البروليتاريا إلى اتخاذ إجراءات حاسمة قد تؤدي حتى إلى العصيان. وفي مارس عام 1906، عندما تجلى الصراع بين فرنسا وألمانيا حول مراكش، اتخذ “المكتب الاشتراكي الدولي” قرارا بأنه في حال تفاقم خطر الحرب “سوف يضع أفضل وسائل العمل تحت تصرف جميع الأحزاب الاشتراكية الدولية والطبقة العاملة المنظمة لمنع نشوب الحرب ولإنهائها”. وطبعا بقي هذا القرار حبرا على ورق. فقد كان يحتاج إلى نشوب حرب لامتحان صحته، إلاّ أن الدولة البرجوازية كان لها أسبابها التي تبرر تهربها من مواجهة هذا الامتحان. ولكن، من سوء حظ البرجوازية أن منطق العلاقات الدولية هو أقوى من منطق الديبلوماسية.

إن إفلاس الدولة في روسيا، أكان نتيجة لإستمرار البرقراطية في تسيير الأمور أم نتيجة لوجود حكومة ثورة ترفض أن تدفع ثمن شرور النظام القديم، سيكون له تأثير بالغ على فرنسا. إن الراديكاليين، الذين يسيطرون على مقدرات فرنسا السياسية الآن، قد تعهدوا عند استلامهم الحكم باتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية مصالح رأس المال. لهذا السبب، هناك أساس متين للافتراض أن الأزمة المالية المتأتية من إفلاس روسيا سوف ينعكس بشكل مباشر على فرنسا على شكل أزمة سياسية حادة لا تنتهي إلا بانتقال الحكم إلى الاشتراكية. وبطريقة أو بأخرى سوف تدخل الثورة حدود أوروبا الرأسمالية القديمة أكان ذلك من خلال اندلاع ثورة في بولونيا أم من خلال نتائج حرب أوروبية أم نتيجة لإفلاس الدولة في روسيا.

وحتى من دون ضغط الأحداث الخارجية، كالحرب أو الإفلاس، قد تندلع الثورة في المستقبل القريب في أحد البلدان الأوروبية نتيجة لتفاقم الصراع الطبقي. لن نحاول الآن التكهن عن أي بلد من البلدان الأوروبية سوف يكون الأول في سلوك طريق الثورة، ثمة أمر واحد لا شك فيه أن التناقضات الطبقية في جميع البلدان الأوروبية قد بلغت درجة مرتفعة من الحدّة في الأزمنة الحديثة.

إن النمو المتضخم للحركة الاشتراكية-الديمقراطية في ألمانيا، ضمن إطار دستور شبه مطلق، سوف يؤدي بالبروليتاريا حتما إلى الدخول في صراع مكشوف ضد الملكية الإقطاعية- البرجوازية. إن موضوع مقاومة الانقلاب السياسي بواسطة الإضراب العام قد أصبح الموضوعات الرئيسية في حياة البروليتاريا الألمانية السياسية منذ العام الماضي. وفي فرنسا، أدى انتقال الحكم إلى الراديكاليين إلى تحطيم القيد عن أيدي البروليتاريا التي كانت مجبرة، خلال مدة طويلة، على التعاون مع الأحزاب البرجوازية في الصراع ضد القومية وضد سيطرة الكنيسة. إن الحزب الاشتراكي، الذي أغناه التراث الحي للثورات الفرنسية الأربع، يقف وجها لوجه أمام البرجوازية المحافظة التي تتستر ببراقع الراديكالية. وفي بريطانيا، حيث يتناوب الحزبان البرجوازيات على تحريك الأرجوحة البرلمانية منذ قرن، اعتمدت البروليتاريا مؤخرا تحت تأثير سلسلة كاملة من العوامل على السير في طريق الانفصال السياسي. وبينما استغرقت هذه العملية أربعة عقود من الزمن في ألمانيا، تستطيع الطبقة العاملة البريطانية، التي تمتلك نقابات قوية تستند إلى خبرتها في النضال الاقتصادي، أن تصل إلى مقدمة جيش الاشتراكية الأوروبية بواسطة بضعة قفزات.

إن تأثير الثورة الروسية على البروليتاريا الأوروبية لهو تأثير بالغ الأهمية. فبالإضافة إلى تحطيم الحكم المطلق في روسيا، عماد الرجعية الأوروبية، سوف توفّر هذه الثورة الشروط الأولية الضرورية لإنبثاق الوعي الثوري في وعي الطبقة العاملة الأوروبية ومزاجها.

إن وظيفة الأحزاب الاشتراكية كانت وستبقى تنمية الوعي الثوري عند الطبقة العاملة، تماما مثلما يخلق التطور الرأسمالي ثورة في العلاقات الاجتماعية. ولكن عملية التحريك والتنظيم في صفوف البروليتاريا تملك قوتها الدافعة المميزة لقد طغى طابع المحافظة على الأحزاب الاشتراكية الأوروبية، وبخاصة الحزب الاشتراكي-الديمقراطي الألماني، أكبر هذه الأحزاب، بنسبة موازية لاعتناق الجماهير الواسعة للاشتراكية ولتنظيم هذه الجماهير ونمو انضباطها. وكنتيجة لذلك أصبحت الحركة الاشتراكية-الديمقراطية، بوصفها المنظمة التي تجسّد تجربة البروليتاريا السياسية، عقبة مباشرة أمام انفجار الصراع العلني بين العمال والرجعية البرجوازية. وبكلمات أخرى، فإن الطابع المحافظ الطاغي على الدعاية الاشتراكية للأحزاب البروليتارية قد يصبح، في وقت معيّن، كابحا أمام نضال البروليتاريا المباشرة لاستلام الحكم. ويؤكد التأثير البالغ للثورة الروسية أنه سوف يحطم الروتين الحزبي وذهنية المحافظة ويضع قضية المبارزة بين البروليتاريا والرجعية الرأسمالية في حيّز التنفيذ. إن النضال من أخل حق الاقتراع للجميع في النمسا وساكسونيا وبروسيا قد تفاقم تحت التأثير المباشر لإضرابات نوفمبر في روسيا. إن الثورة في الشرق سوف تنقل عدوى المثالية الثورية إلى البروليتاريا الغربية وتثير فيها الرغبة في التكلم “باللهجة الروسية” مع أعدائها وإذا وجدت البروليتاريا الروسية نفسها في الحكم، حتى ولو كان ذلك نتيجة للقاء آني للظروف في ثورتنا البرجوازية، فهي سوف تواجه حملة عداء منظمة تشنها الرجعية العالمية من جهة، وتجد من جهة ثانية استعداد البروليتاريا العالمية لمدها بالمساعدة المنظمة.

وإذا تُركت الطبقة العاملة الروسية للاعتماد على قواها فقط، فإن الثورة المضادة سوف تسحقها حتما حالما يتخلى عنها الفلاحون، فلن يكون أمامها من بديل سوى أن تربط مصير حكمها السياسي، وبالتالي مصير الثورة الروسية كلها، بمصير الثورة الاشتراكية في أوروبا. وسوف يثقل السلطة الحكومية السياسية التي وفّرها لها التقاء آني للظروف في الثورة البرجوازية الروسية، في كفة الصراع الطبقي في جميع أنحاء العالم الرأسمالي. إن البروليتاريا الروسية الحاكمة إزاء وجود الثورة المضادة ورائها، والرجعية أمامها، سوف ترسل إلى رفاقها في جميع أنحاء الأرض صيحة الحرب القديمة التي تكون هذه المرّة صيحة الهجوم الأخير: يا عمال العالم اتحدوا!.



أرشيف ليون تروتسكي